ريمونتادا "العالمي" في المجمعة: عندما تبتسم كرة القدم لمن يرفض الاستسلام
في ليلة شتوية باردة من ليالي فبراير، احتضن استاد مدينة المجمعة الرياضية ملحمة كروية لم تكن مجرد مباراة في ثلاث نقاط، بل كانت اختباراً حقيقياً لشخصية البطل. دخل النصر المواجهة وهو يدرك أن عثرة واحدة قد تخلط أوراق الصدارة، بينما استعد الفيحاء، بقيادة مدربه المحنك بيدرو ايمانويل، لنصب فخ محكم لضيفه الثقيل. وبصافرة الحكم الإنجليزي بيتر بانكس، انطلقت رحلة دراماتيكية انتهت بفوز نصراوي مستحق بنتيجة 3-1، بعد سيناريو حبس أنفاس الجماهير حتى الدقائق الأخيرة.
بداية عاصفة وعقدة "النقطة المهدرة"
لم يكد الجمهور يلتقط أنفاسه حتى بدأت الإثارة مبكراً؛ ففي الدقيقة السابعة، تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لفحص حالة مثيرة للجدل، منحت المباراة صبغة من التوتر منذ لحظاتها الأولى. ومع حلول الدقيقة الحادية عشرة، تهيأت الفرصة الذهبية للنصر لافتتاح التسجيل عندما احتسب الحكم ركلة جزاء، انبرى لها الأسطورة كريستيانو رونالدو. ساد الصمت أرجاء الملعب، لكن "الدون" فاجأ الجميع بإهدار الركلة، لتضيع فرصة التقدم وتشتعل حماسة لاعبي الفيحاء الذين شعروا أن الحظ يبتسم لهم في هذه الليلة.
استمر الضغط النصراوي وسط تكتل دفاعي منظم من "برتقالي المجمعة"، وشهد الشوط الأول معركة بدنية طاحنة أدت إلى إشهار البطاقة الصفراء في وجه أحمد بامسعود من جانب الفيحاء، ونواف بوشال من جانب النصر. وبينما كان الجميع يستعد للذهاب لغرف الملابس بالتعادل السلبي، وقعت الصدمة في الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع؛ حيث أخطأ المدافع عبدالإله العمري في تشتيت إحدى الكرات ليسكنها شباك فريقه بـ هدف عكسي، مانحاً الفيحاء تقدماً غير متوقع وسط ذهول كتيبة المدرب خورخي خيسوس.
ثورة "خيسوس" وتغيير ملامح المعركة
دخل النصر الشوط الثاني برغبة جامحة لتصحيح المسار، وبدت ملامح الغضب والإصرار واضحة على وجوه اللاعبين. سيطر "العالمي" على مجريات اللعب بنسبة استحواذ بلغت 66%، وحاصر خصمه في مناطق جزائه. أدرك خيسوس أن الحل يكمن في دكة البدلاء، فأجرى تبديلات تكتيكية بخروج صاحب الهدف العكسي عبدالإله العمري ونواف بوشال، ليدفع بـ سلطان الغنام وأيمن يحيى لزيادة الفاعلية الهجومية عبر الأطراف.
وفي الدقيقة 72، انفجرت الفرحة في المعسكر النصراوي؛ حيث نجح النجم السنغالي ساديو ماني في إدراك التعادل بعد تمريرة حاسمة ومتقنة من الفرنسي كينغسلي كومان. هذا الهدف لم يكن مجرد تعديل للنتيجة، بل كان بمثابة إعلان عن انهيار السد الدفاعي للفيحاء، الذي بدأ يعاني تحت وطأة الضغط المتواصل والهجمات التي وصل مجموعها إلى 19 تسديدة نصراوية طوال اللقاء.
المنعرج الأخير.. لدغة البديل وهدية "ماسكويرا"
تواصل الضغط النصراوي الرهيب، وفي الدقيقة 80، تجرع الفيحاء من نفس الكأس التي سقى بها النصر في الشوط الأول؛ حيث سجل أورلاندو ماسكويرا هدفاً عكسياً في مرماه، ليمنح التقدم للنصر 2-1. في تلك اللحظة، قرر خيسوس إراحة رونالدو والدفع بالشاب عبدالله الحمدان في الدقيقة 81، وهو التبديل الذي أثبت عبقرية المدرب البرتغالي.
لم يمضِ على دخول الحمدان سوى أربع دقائق، حتى استغل تمريرة سحرية من البرتغالي جواو فيليكس، ليضع الكرة في الشباك معلناً الهدف الثالث في الدقيقة 85، ومطلقاً رصاصة الرحمة على آمال الفيحاء في العودة. هذه اللحظة جسدت الفوارق الفنية الكبيرة، حيث لم ينجح الفيحاء في تسجيل أي تسديدة على المرمى طوال المباراة، مكتفياً بالهدف العكسي الذي سجله النصر في نفسه.
تحليل تكتيكي: كيف فاز النصر؟
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن النصر فرض هيمنة مطلقة؛ فدقة التمرير التي وصلت إلى 87.5% مكنت الفريق من تدوير الكرة بسلاسة وفتح الثغرات في دفاع الفيحاء الذي اكتفى بنسبة 74%. التبديلات كانت هي مفتاح النصر الحقيقي، خصوصاً دخول الحمدان الذي سجل من أول فرصة حقيقية له، ودخول سلطان الغنام الذي أعاد التوازن للجهة اليمنى. في المقابل، حاول بيدرو ايمانويل إنقاذ ما يمكن إنقاذه بإجراء خمسة تبديلات دفعة واحدة في الدقيقة 88، لكن الوقت كان قد فات، والروح المعنوية للاعبي الفيحاء كانت قد انكسرت بعد البطاقات الصفراء المتأخرة التي نالها ألفا سيميدو ومخير الرشيدي في الدقائق الأخيرة من الوقت بدل الضائع.
الخاتمة: صدارة مستحقة ودرس في الإصرار
بهذا الانتصار الثمين، رفع النصر رصيده إلى 61 نقطة، معززاً موقعه في صدارة دوري روشن السعودي، ومؤكداً أنه يمتلك النفس الطويل اللازم لتحقيق اللقب. أما الفيحاء، فقد تجمد رصيده عند 27 نقطة في المركز الثاني عشر، ليبقى في دائرة المناطق الدافئة بعيداً عن صراع الهبوط ولكن بعيداً أيضاً عن طموحات المربع الذهبي. لقد كانت ليلة المجمعة درساً في كرة القدم: لا يهم كيف تبدأ، ولا يهم كم ركلة جزاء تهدر، المهم هو كيف تنهي المعركة، والنصر الليلة أنهاها كفارس لا يشق له غبار.


