باهبري يروي قصة الصمود.. والخلود يقتنص انتصاراً ثميناً من قلب تبوك
في ليلةٍ لم تكن كغيرها من ليالي الشمال، وتحت أضواء استاد مدينة الملك خالد الرياضية بتبوك، شهدت الجماهير فصلاً جديداً من فصول الإثارة في دوري روشن السعودي. كانت المواجهة بين نيوم، الساعي لتثبيت أقدامه بين الكبار، والخلود، الذي جاء برغبة جامحة في العودة بالنقاط الثلاث. انتهى اللقاء بفوزٍ مثير للضيوف بهدفين مقابل هدف واحد، في مباراةٍ لخصت تقلبات كرة القدم وصراعاتها التكتيكية بين مدرستين مختلفتين يقودهما كريستوف جالتييه وديس باكنجهام.
بداية عاصفة وهتان يفتتح السيمفونية
لم يمهل الضيوف أصحاب الأرض وقتاً لترتيب الصفوف، فمع إطلاق الحكم خالد الاحمري لصافرة البداية، بدت نوايا الخلود واضحة في مباغتة الخصم. وفي الدقيقة الرابعة فقط، ومن هجمة منظمة قادها ببراعة جون بوكلي، أرسل تمريرة حاسمة وضعت المتألق هتان باهبري في مواجهة الشباك، ليضع الكرة بهدوء وثقة معلناً الهدف الأول للخلود. هذا الهدف المبكر أشعل المدرجات وبث الحماس في عروق لاعبي باكنجهام، بينما بدا الذهول واضحاً على دكة بدلاء نيوم بقيادة جالتييه.
رد الفعل من جانب نيوم لم يتأخر كثيراً، حيث اندفع الفريق نحو الهجوم محاولاً استعادة توازنه. وفي الدقيقة الثانية عشرة، ومن مجهود فردي رائع وتمريرة متقنة من فارس عبدي، نجح الشاب ريان ميسي في هز الشباك، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. كان الهدف بمثابة قبلة الحياة لنيوم، حيث ارتفع إيقاع اللعب وتبادل الفريقان الهجمات السريعة وسط أجواء مشحونة بالندية والرغبة في التفوق.
صدمة "الحجازي" وباهبري يعود للواجهة
بينما كانت المباراة تسير نحو توازن نسبي، تلقى نيوم ضربة موجعة في الدقيقة السابعة والثلاثين، حين اضطر القائد والمدافع المخضرم أحمد حجازي لمغادرة أرضية الملعب، ليحل مكانه عون السلولي. خروج حجازي لم يكن مجرد تبديل اضطراري، بل كان شرخاً في جدار الدفاع الذي حاول جالتييه ترميمه سريعاً، إلا أن الخلود استغل هذا الارتباك بذكاء شديد.
وفي الدقيقة التاسعة والثلاثين، ومن ركلة ركنية أو كرة عرضية متقنة من شاكيل بيناس، ارتقى هتان باهبري مرة أخرى فوق الجميع، ليودع الكرة في الشباك مسجلاً هدفه الشخصي الثاني وهدف التقدم لفريقه. هذا الهدف كان بمثابة تأكيد على براعة باهبري وقدرته على حسم المواعيد الكبرى، لينتهي الشوط الأول بتقدم الخلود بهدفين لهدف، وسط حسرة من جماهير نيوم التي كانت تأمل في نهاية أفضل للنصف الأول من الملحمة.
الشوط الثاني.. صراع التكتيك وصمود الضيوف
دخل نيوم الشوط الثاني بضغط هائل، محاولاً فك شفرات دفاع الخلود الحصين. جالتييه أدرك أن الوقت يداهمه، فأجرى سلسلة من التبديلات الجريئة في الدقيقة الثانية والستين، حيث دفع بالنجم الجزائري سعيد بن رحمة بدلاً من القائد سلمان الفرج، وأدخل إسلام هوساوي بدلاً من فارس عبدي، في محاولة لضخ دماء جديدة في الشق الهجومي. وفي المقابل، كان باكنجهام يقرأ الملعب بعناية، حيث أشرك محمد صوعان بدلاً من سلطان الشهري لتعزيز وسط الملعب وإغلاق المساحات.
استمر الضغط من جانب نيوم، وتوالت الفرص الضائعة أمام مرمى الخلود، حيث تألق حارس المرمى والمدافعون في إبعاد الكرات الخطيرة. ومع مرور الوقت، ازدادت حدة المباراة وظهرت البطاقات الملونة نتيجة الالتحامات القوية؛ فقد حصل خليفة الدوسري على بطاقة صفراء أولى في الشوط الأول، تبعها جون بوكلي من الخلود، ثم فارس عبدي قبل نهاية الشوط الأول بلحظات.
دراما النهاية والبطاقة الحمراء
في الربع الأخير من المباراة، رمى جالتييه بكل أوراقه، حيث أشرك أحمد عبده وأيمن فلاته بدلاً من علاء الحجي ولوتشيانو رودريجيز في الدقيقة الخامسة والسبعين. وفي الجهة المقابلة، عزز باكنجهام دفاعاته بدخول كيفين ندورام بدلاً من بوكلي، ثم خرج بطل الليلة هتان باهبري في الدقيقة الخامسة والثمانين وسط تحية حارة، ليحل مكانه حسن الأسمري.
وبينما كان نيوم يبحث عن هدف التعادل القاتل، جاءت اللحظة التي قضت على آمالهم؛ ففي الدقيقة التاسعة والثمانين، تلقى المدافع خليفة الدوسري البطاقة الصفراء الثانية ثم الحمراء، ليغادر الملعب ويترك فريقه بعشرة لاعبين في أصعب أوقات اللقاء. هذا الطرد منح لاعبي الخلود الثقة الكاملة لتسيير الدقائق الأخيرة والمحافظة على النتيجة حتى أطلق الحكم صافرة النهاية.
تحليل فني: كيف تفوق الخلود؟
كانت المباراة معركة تكتيكية بامتياز، حيث تفوق ديس باكنجهام في استغلال الكرات العرضية والتحولات السريعة، مستفيداً من الحالة الفنية العالية لـ هتان باهبري. في المقابل، عانى نيوم من غياب التركيز في اللمسة الأخيرة، وتأثر الفريق كثيراً بخروج أحمد حجازي الذي كان يمثل صمام الأمان والقائد داخل المستطيل الأخضر. التبديلات التي أجراها جالتييه، رغم قوتها بدخول سعيد بن رحمة، لم تنجح في اختراق التنظيم الدفاعي المحكم الذي فرضه الخلود.
تُظهر الإحصائيات أن نيوم كان الأكثر استحواذاً ومحاولةً على المرمى، لكن الفعالية الهجومية كانت تميل بوضوح للضيوف. البطاقات الملونة، وخاصة حالة الطرد، كانت انعكاساً للتوتر العالي والضغط الذي عاشه لاعبو نيوم في محاولتهم للعودة، مما أدى في النهاية إلى فقدان الانضباط التكتيكي في اللحظات الحاسمة.
الخاتمة: انتصار يجدد الطموح
بهذا الفوز الثمين، رفع الخلود رصيده من النقاط، مؤكداً أنه فريق لا يستهان به خارج ملعبه، حيث حقق فوزه الخامس بعيداً عن دياره هذا الموسم، وهو ما يعكس قوة الشخصية التي يتمتع بها لاعبو باكنجهام. أما نيوم، فقد كانت هذه الخسارة بمثابة جرس إنذار للمدرب جالتييه لمراجعة المنظومة الدفاعية والتعامل مع الغيابات والتبديلات الاضطرارية بشكل أفضل.
لقد كانت ليلة كروية ممتعة في تبوك، أثبتت مرة أخرى أن دوري روشن السعودي لا يعترف بالأسماء الكبيرة فقط، بل بالعطاء والجهد داخل الملعب. خرج الخلود بالنقاط وبالفرحة، وبقي لنيوم وجماهيره ألم الخسارة ودرس الصمود الذي قدمه الضيوف في ليلة تألق فيها باهبري ورفاقه.


