ريمونتادا "الدانة" تشعل مدرجات الدمام: الخليج يروض الحزم في ليلة يونانية بامتياز
تحت أضواء استاد الأمير محمد بن فهد بالدمام، وفي ليلة تجلت فيها روح الإصرار والعزيمة، شهد عشاق الكرة السعودية فصلاً جديداً من فصول الإثارة في دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الترتيب، بل كانت ملحمة كروية حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير، حيث نجح فريق الخليج في قلب تأخره إلى فوز ثمين بنتيجة 2-1 على ضيفه الحزم، في مواجهة تكتيكية رفيعة المستوى جمعت بين مدرستين تدريبيتين مختلفتين يقودهما اليوناني جيورجيوس دونيس والتونسي جلال قادري.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع تكتيكي محتدم
بدأت المباراة وسط أجواء جماهيرية حماسية، حيث رسمت جماهير "الدانة" لوحة الوفاء في المدرجات، محفزة لاعبيها لانتزاع نقاط الأمان. أدار اللقاء الحكم عبدالله الحربي بصرامة منذ الدقائق الأولى، حيث وضح أن الصراع البدني سيكون سيد الموقف. دخل الحزم المباراة بتنظيم دفاعي محكم، محاولاً امتصاص حماس أصحاب الأرض والاعتماد على المرتدات السريعة، بينما حاول الخليج فرض أسلوبه عبر الاستحواذ على منتصف الملعب.
لم يخلُ الشوط الأول من التوتر، إذ اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه لاعب الخليج صالح العمري في الدقيقة 27، وتبعه زميله ماجد كنبه بإنذار آخر في الدقيقة 31 نتيجة التدخلات القوية لقطع كرات الحزم المرتدة. وقبل نهاية الشوط الأول بثلاث دقائق، تلقى دونيس ضربة موجعة بخروج المدافع بارت تشينكفيلد للإصابة، ليدفع بالبديل باولو فرنانديز في تغيير اضطراري أعاد ترتيب الأوراق الدفاعية للخليج، لينتهي الشوط الأول بتعادل سلبي خيم عليه الحذر المتبادل.
الشوط الثاني: حينما انفجر البركان في الدمام
مع بداية الشوط الثاني، أجرى دونيس تبديلاً هجومياً بدخول جوشوا كينج بدلاً من حسين العيسى، في إشارة واضحة للرغبة في حسم اللقاء. لكن الرياح هبت بما لا تشتهي سفن الخليج في البداية؛ ففي الدقيقة 54، ومن هجمة مرتدة منظمة، أرسل ابو بكر باه تمريرة حاسمة وضعت نواف الحبشي في مواجهة المرمى، ليودعها الشباك معلناً تقدم الحزم بالهدف الأول. هذا الهدف أشعل فتيل المباراة، وزاد من حدة التنافس، مما أدى لظهور البطاقات الصفراء مجدداً لكل من علي عايش السالم من الخليج وسعود الراشد من الحزم في الدقيقة 50.
لم يستسلم أبناء سيهات، بل اندفعوا نحو الهجوم بضراوة، ولم تمر سوى ست دقائق حتى ابتسم الحظ للخليج بحصوله على ركلة جزاء. انبرى للنجم اليوناني المخضرم كوستاس فورتونيس، وبكل هدوء وثقة، وضع الكرة في الشباك في الدقيقة 60، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر ومشعلاً الحماس في مدرجات الدمام التي لم تتوقف عن الهتاف.
اللمسة اليونانية تحسم الموقعة
استمر الضغط الخلجاوي وسط تراجع دفاعي من الحزم الذي حاول مدربه جلال قادري تنشيط صفوفه بإقحام النجمين أمير سعيود وعمر السومة في الدقيقة 68. إلا أن الرد جاء سريعاً وقاتلاً من جانب الخليج؛ ففي الدقيقة 72، ومن جملة تكتيكية رائعة، أرسل بندر المطيري عرضية متقنة ارتقى لها اليوناني الآخر جيورجوس ماسوراس، ليضعها برأسه في المرمى مسجلاً الهدف الثاني وهدف الفوز الغالي. هذه اللحظة كانت بمثابة الانفجار في الملعب، حيث تعانق اللاعبون احتفالاً بريمونتادا صنعتها الأقدام اليونانية على أرض سعودية.
في الدقائق الأخيرة، رمى الحزم بكل ثقله، وأجرى قادري عدة تبديلات بدخول عبد العزيز الحربي وأمادو ديانج، لكن دفاع الخليج ومن خلفه الحارس وقفوا سداً منيعاً. شهدت الدقائق الأخيرة توتراً كبيراً، حيث نال أمير سعيود بطاقة صفراء في الدقيقة 85، وتبعه حمد الجيزانى من الخليج في الدقيقة 87. استبسل لاعبو الخليج في الذود عن مرماهم، وأجرى دونيس تبديلات تكتيكية في الدقيقة 90 لامتصاص الوقت وتأمين المناطق الدفاعية بدخول علي عايش السالم مجدداً في توزيع للأدوار شمل خروج المطيري.
تحليل النصر: تبديلات دونيس وصمود "الدانة"
كانت المباراة درساً في كيفية إدارة الأزمات داخل الملعب؛ فبالرغم من التأخر بهدف، لم يفقد لاعبو الخليج توازنهم. لعبت التبديلات دوراً محورياً، حيث أعطى دخول جوشوا كينج حيوية أكبر للهجوم، بينما كانت تمريرة بندر المطيري الحاسمة هي مفتاح الفوز. في المقابل، ورغم الأسماء الكبيرة التي دفع بها الحزم مثل السومة وسعيود، إلا أن الوقت لم يسعفهم لاختراق الحصون الدفاعية المنظمة التي نصبها دونيس في الدقائق العشر الأخيرة.
إحصائياً، كانت المباراة متكافئة في الاستحواذ، لكن الخليج كان الأكثر فاعلية أمام المرمى والأكثر قدرة على استغلال الكرات الثابتة والعرضيات. الروح القتالية التي ظهر بها لاعبو الخليج بعد استقبال الهدف الأول كانت العلامة الفارقة التي منحتهم النقاط الثلاث.
خاتمة: قفزة نحو الأمان وطموح متجدد
بهذا الانتصار الثمين، رفع الخليج رصيده إلى 30 نقطة، ليقفز إلى المركز التاسع في جدول ترتيب دوري روشن، محققاً فوزه الثامن هذا الموسم، وهو فوز يعطي الفريق دفعة معنوية هائلة للابتعاد عن مناطق الخطر والتقدم أكثر نحو مناطق الدفء. أما الحزم، فقد تجمد رصيده عند 28 نقطة في المركز الحادي عشر، ليبقي في دائرة الصراع المحتدم في وسط الترتيب.
أطلق الحكم عبدالله الحربي صافرته معلناً نهاية الملحمة، لتنطلق احتفالات لاعبي الخليج مع جماهيرهم الوفية، مؤكدين أن "الدانة" ستظل رقماً صعباً في الملاعب السعودية، وأن الإصرار اليوناني الذي قاده فورتونيس وماسوراس كان هو كلمة السر في ليلة لن تنساها جماهير سيهات والدمام.


