ليلة بريدة الصاخبة: التعاون يروّض طموح الفتح في ملحمة الأهداف الخمسة
في ليلة من ليالي القصيم الساحرة، وتحت أضواء ملعب نادي التعاون في بريدة، حبست الجماهير أنفاسها وهي تتابع فصلاً جديداً من فصول دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول المسابقة، بل كانت صراعاً تكتيكياً محتدماً بين رغبة "سكري القصيم" في تثبيت أقدامه بين الكبار، وطموح "نموذجي" الأحساء في العودة بنتيجة إيجابية تقلب التوقعات. انتهت الملحمة بفوز دراماتيكي للتعاون بنتيجة 3-2، في مباراة تقاسمتها لحظات التفوق المطلق والعودة المتأخرة التي كادت أن تخلط الأوراق في الأنفاس الأخيرة.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع العقول
دخل الفريقان أرضية الميدان بصافرة الحكم عبدالصمد بكري، وسط أجواء جماهيرية حماسية غطت مدرجات ملعب التعاون. كان المدرب البرازيلي بريكليس تشاموسكا يدرك أن الفوز اليوم يعني الوصول للنقطة 44 وتعزيز المركز الخامس، بينما سعى البرتغالي جوزيه جوميز، مدرب الفتح، لاستغلال أي ثغرة لانتشال فريقه من وسط الجدول. بدأت المباراة بحذر دفاعي متبادل، حيث انحصر اللعب في وسط الميدان مع محاولات خجولة لكسر التكتلات الدفاعية، وكان واضحاً أن التفاصيل الصغيرة هي من سيحسم هذا الحوار الكروي الرفيع.
اللحظة الفارقة.. روجير مارتنيز يكسر الصمت
استمر السجال طوال الشوط الأول، ومع اقتراب الحكم من إطلاق صافرة النهاية، وفي الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع (45+4)، اشتعلت المدرجات. تحصل التعاون على ركلة جزاء إثر ضغط هجومي مكثف، انبرى لها القناص روجير مارتنيز بكل ثقة، واضعاً الكرة في الشباك ومعلناً عن الهدف الأول. هذا الهدف لم يكن مجرد تقدم رقمي، بل كان ضربة معنوية قوية للفتح قبل دخول غرف الملابس، ومنح التعاون الأفضلية النفسية التي كان يحتاجها لبدء الشوط الثاني بزخم أكبر.
إعصار التعاون وسوء حظ "باتشيكو"
مع بداية الشوط الثاني، أجرى تشاموسكا تبديلاً تكتيكياً بخروج متعب المفرج ودخول محمد وليد الدوسري لتأمين الخطوط الخلفية. ولم تمر سوى دقائق قليلة حتى بدأت المتاعب تتضاعف على الضيوف؛ ففي الدقيقة 53 نال لاعب الفتح سعيد خالد باعطيه بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، مما زاد من توتر أعصاب لاعبي "النموذجي". وفي الدقيقة 59، وقع المحظور عندما سجل مدافع الفتح باتشيكو هدفاً عكسياً في مرماه بطريقة دراماتيكية، ليجد الفتح نفسه متأخراً بهدفين دون رد وسط ذهول مدربه جوزيه جوميز.
ولم يكتفِ التعاون بهذا القدر، ففي الدقيقة 63، ومن جملة فنية رائعة بدأت بكرة متقنة من محمد محزري، استلم روجير مارتنيز الكرة ليودعها الشباك محرزاً هدفه الشخصي الثاني والثالث لفريقه. في تلك اللحظة، ظن الجميع أن المباراة قد انتهت إكلينيكياً، وأن التعاون في طريقه لتحقيق فوز تاريخي عريض، لكن كرة القدم دائماً ما تخبئ أسرارها حتى الرمق الأخير.
انتفاضة الفتح.. البدلاء يشعلون اللقاء
رفض جوزيه جوميز الاستسلام، وأجرى سلسلة من التبديلات الجريئة في الدقيقة 66 و67، حيث دفع بعثمان العثمان، عبد العزيز الفواز، وجيفرسون راموس. هذا الأخير لم يحتاج سوى دقيقة واحدة ليثبت صحة وجهة نظر مدربه، ففي الدقيقة 68، ومن تمريرة حاسمة من المتألق ويسلي ديلجادو، سجل راموس هدف تقليص الفارق، ليعيد الروح لزملائه ويشعل فتيل الحماس في المباراة من جديد.
شعر تشاموسكا بالخطر، فتدخل بتبديلات دفاعية وهجومية متوازنة في الدقيقة 70، بإشراك فهد الرشيدي ومحمد القحطاني بدلاً من غابرييل تيكسيرا ومارين بيتكوف. ورغم سيطرة التعاون النسبية، إلا أن الفتح استمر في الضغط، معتمداً على سرعات ديلجادو وتحركات البدلاء، مما جعل الدقائق العشر الأخيرة من المباراة ساحة لحرب أعصاب حقيقية.
سيناريو مجنون وصمود "السكري"
في الدقيقة 82، استمر مدرب الفتح في مغامرته الهجومية بإشراك علي المسعود بدلاً من فهد الزبيدي. ومع وصول المباراة للدقيقة 90، وفي وقت كان فيه جمهور التعاون يستعد للاحتفال، باغت علي المسعود الجميع بتسجيل الهدف الثاني للفتح بعد تمريرة سحرية أخرى من ويسلي ديلجادو، الذي كان نجم العودة الفتحاوية بامتيازه في صناعة الأهداف. أصبحت النتيجة 3-2، واحتسب الحكم وقتاً بدلاً من الضائع طويلاً شهد ضغطاً رهيباً من الفتح وتراجعاً دفاعياً مستميتاً من لاعبي التعاون، الذين استبسلوا في حماية عرينهم حتى أطلق الحكم صافرة النهاية، معلناً فوزاً شاقاً ومستحقاً لأصحاب الأرض.
القراءة الفنية: تبديلات صنعت الفارق
أظهرت المباراة مرونة تكتيكية عالية من كلا المدربين؛ فتشاموسكا عرف كيف يستغل نقاط القوة في فريقه ويضرب الفتح في مقتل خلال الربع ساعة الأول من الشوط الثاني. في المقابل، يُحسب لجوزيه جوميز شجاعته في التغييرات، حيث سجل البديلان (راموس والمسعود) هدفي الفتح، وصنع ديلجادو الهدفين، مما يثبت أن دكة بدلاء الفتح كانت تمتلك الحلول لولا التأخر الكبير في النتيجة وسوء الحظ الذي لازم باتشيكو في الهدف العكسي.
إحصائياً، كانت المباراة متكافئة في الاستحواذ في فترات طويلة، لكن فاعلية التعاون الهجومية، خاصة عبر روجير مارتنيز، كانت هي الفيصل. التعاون استغل أخطاء الخصم بذكاء، بينما دفع الفتح ثمن هفواته الدفاعية في وقت حرج من اللقاء، رغم الروح القتالية العالية التي أظهرها في الدقائق الأخيرة.
الخاتمة: التعاون يواصل التحليق
بهذا الانتصار الثمين، رفع التعاون رصيده إلى 44 نقطة، مؤكداً جدارته بالمركز الخامس ومواصلاً مطاردة فرق المربع الذهبي، وهو فوز يعطي الفريق دفعة معنوية هائلة في المنعطف الأخير من الدوري. أما الفتح، فرغم الخسارة وتجمده عند 28 نقطة في المركز العاشر، إلا أنه كسب احترام الجميع بتلك العودة القوية التي كادت أن تمنحه تعادلاً تاريخياً. غادرت الجماهير الملعب وهي تتحدث عن جمالية الأهداف وإثارة اللحظات الأخيرة، في ليلة ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق "سكري القصيم" كواحدة من أكثر مباريات الموسم إثارة وندية.


