إعصار "فارس الجنوب" يكتسح مدرسة الوسطى: ضمك يسطر ملحمة ثلاثية في أبها
تحت أنظار جبال عسير الشامخة، وفي ليلة أرادها أبناء "خميس مشيط" أن تكون إعلاناً عن العودة القوية، احتضن استاد مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية بأبها مواجهة كروية لم تكن مجرد مباراة في دوري روشن السعودي، بل كانت فصلاً من فصول الإثارة التي لا تنتهي. دخل "فارس الجنوب" نادي ضمك اللقاء وهو يدرك أن النقاط الثلاث هي الملاذ الوحيد للهروب من مناطق الخطر، بينما جاء "فخر الوسطى" نادي الرياض طامحاً في خطف انتصار يربك الحسابات، لكن الرياح في أبها جرت بما لا تشتهي سفن الضيوف، لينتهي اللقاء بانتصار عريض لضمك بثلاثية نظيفة هزت أركان الملعب وأسعدت الأنصار.
أجواء ما قبل المعركة: صراع التكتيك والطموح
كانت الأجواء في مدينة أبها توحي بليلة استثنائية؛ هواء عليل يداعب وجوه الجماهير التي توافدت لمساندة فريقها، وتوتر ملموس يسيطر على المنطقة الفنية حيث وقف البرازيلي فابيو كاريلى، مدرب ضمك، يراجع أوراقه الأخيرة بتركيز شديد، وفي المقابل كان ماوريسيو دولاك، مدرب الرياض، يمني النفس بتنظيم دفاعي يمتص حماس أصحاب الأرض. التوقعات كانت تشير إلى مباراة حذرة نظراً لتقارب النقاط بين الفريقين في جدول الترتيب، حيث يقبع ضمك في المركز الخامس عشر والرياض في السادس عشر، مما جعل المباراة تكتسب صبغة "مباريات الكؤوس" التي لا تقبل القسمة على اثنين.
الشوط الأول: كسر حاجز الصمت بأقدام أوكيتا
أطلق الحكم عبدالله الخربوش صافرة البداية، ومعها بدأت معركة السيطرة على منتصف الميدان. حاول الرياض في الدقائق الأولى الاعتماد على الكرات الطولية، إلا أن دفاع ضمك كان بالمرصاد. ومع مرور الوقت، بدأ ضمك في فرض إيقاعه، وفي الدقيقة 35، ومن جملة تكتيكية رائعة، استلم جمال حركاس الكرة ومرر تمريرة حاسمة وضعت المهاجم جوناثان أوكيتا في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك معلنة عن الهدف الأول ومفجرة أفراح المدرجات. لم يكتفِ ضمك بالهدف، بل استمر في الضغط، مما أجبر لاعبي الرياض على التدخلات الخشنة، حيث نال سنوسي الهوساوي بطاقة صفراء في الدقيقة 40، قبل أن يلحق به لاعب الرياض فيكتور لكحل ببطاقة مماثلة في الدقيقة 45، لينتهي الشوط الأول بتقدم مستحق لأصحاب الأرض.
الشوط الثاني: إعصار ضمك يقتلع دفاعات الرياض
دخل الفريقان الشوط الثاني دون مقدمات، وبدا واضحاً أن ضمك يريد حسم الأمور مبكراً. ومع الدقيقة 46، تلقى ياكو ميتي بطاقة صفراء للخشونة، لكن هذا لم يثنِ عزيمة "فارس الجنوب". وفي الدقيقة 53، انطلق محمد الصلخدي بكرة سريعة على الرواق، ليهدي تمريرة ذهبية لزميله فالنتين فادا الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى، معززاً تقدم فريقه بالهدف الثاني. هذا الهدف كان بمثابة الضربة القاضية لمعنويات لاعبي الرياض، الذين تاهوا في ردهات الملعب أمام الانتشار السليم لكتيبة كاريلى.
ولم تمر سوى ثماني دقائق، وتحديداً في الدقيقة 61، حتى بصم سنوسي الهوساوي على واحد من أجمل أهداف المباراة؛ فبعد تمريرة متقنة من عبدالرحمن العبيد، وجد الهوساوي نفسه في وضعية مثالية ليسجل الهدف الثالث، محولاً ليلة الرياض إلى كابوس كروي. في هذه الأثناء، حاول مدرب الرياض التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأجرى تبديلات مزدوجة بخروج يوهان باربيت ومامادو سيلا ديالو ودخول خليل العبسي وسلطان هارون، لكن المنظومة الدفاعية لضمك ظلت صامدة كالجبال المحيطة بالملعب.
صراع التبديلات وإدارة الدقائق الأخيرة
شهدت الثلث ساعة الأخيرة من المباراة سلسلة من التبديلات التي عكست رغبة كل مدرب؛ كاريلى أراد الحفاظ على النتيجة وتوزيع الجهد البدني، فدفع بـ عبدالله القحطاني بدلاً من الصلخدي في الدقيقة 62، ثم أشرك خالد السميري بدلاً من صاحب الهدف الأول أوكيتا في الدقيقة 79. أما الرياض، فقد دفع بورقته الخبيرة يحيي الشهري في الدقيقة 72 بدلاً من لياندرو أنتونيس، تلاها دخول احمد السياحي بدلاً من سيرجي في الدقيقة 78، لكن السيطرة الميدانية ظلت لضمك الذي سير المباراة بذكاء يحسد عليه.
وفي الدقيقة 81، نال جمال حركاس بطاقة صفراء بعد تدخل قوي، مما جعل كاريلى يسارع في الدقيقة 87 لإجراء أربعة تبديلات دفعة واحدة لضمان إنهاء المباراة دون خسائر، حيث دخل كل من نواف الصعدي، حسن ربيع، وعبد الرحمن الخيبرى، ليخرج فادا والهوساوي وبدران وسط تحية حارة من الجماهير التي وقفت تصفق للأداء البطولي للاعبيها.
التحليل الفني: كيف تفوق كاريلى على دولاك؟
كانت المباراة درساً في استغلال المساحات والتحولات السريعة. اعتمد ضمك على الأطراف بشكل مكثف، وهو ما ظهر جلياً في صناعة الأهداف الثلاثة التي جاءت جميعها عبر تمريرات حاسمة من لاعبين مختلفين (حركاس، الصلخدي، والعبيد). الاستحواذ الفعال كان هو العنوان الأبرز لضمك، حيث عرف كيف ينقل الكرة بسرعة من الحالة الدفاعية للهجومية، مستغلاً البطء الواضح في ارتداد مدافعي الرياض. في المقابل، عانى الرياض من غياب النجاعة الهجومية، ولم تفلح تبديلات دولاك في كسر الحصار الذي فرضه وسط ملعب ضمك القوي.
الخاتمة: انتصار يضيء طريق البقاء
أطلق عبدالله الخربوش صافرة النهاية بعد خمس دقائق من الوقت بدل الضائع، لتعلن عن فوز عريض لضمك بثلاثية نظيفة رفعت رصيده إلى 19 نقطة، وهو انتصار يمنح الفريق دفعة معنوية هائلة في صراعه للابتعاد عن مراكز الهبوط. أما الرياض، فقد تجمد رصيده عند 16 نقطة، ليبقى في دوامة الحسابات المعقدة. لقد كانت ليلة "ضمكاوية" بامتياز، أثبت فيها الفريق أن الروح القتالية والتركيز الذهني هما المفتاح لتجاوز أصعب العقبات، وغادرت الجماهير الملعب وهي تردد أهازيج النصر، مدركة أن "فارس الجنوب" لا يزال يملك الكثير ليقدمه في هذا الموسم المشتعل.


