إعصار الفيحاء يكتسح نجران: ليلة سقوط الأخدود في فخ البرتقالي
لم يكن أشد المتفائلين من عشاق "الفهود" يتوقع أن تتحول أرض ملعب مدينة الأمير هذلول بن عبدالعزيز الرياضية في نجران إلى مسرح لواحد من أقسى العروض الكروية هذا الموسم. في أمسية كروية حبست الأنفاس ضمن منافسات دوري روشن السعودي، رسم نادي الفيحاء لوحة فنية عنوانها النجاعة الهجومية المطلقة، لينتصر بخماسية نظيفة (5-0) على مضيفه الأخدود، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة الجماهير كواحدة من أكثر المباريات إثارة للدهشة وإحباطاً لأصحاب الأرض.
هدوء ما قبل العاصفة في نجران
دخل الأخدود اللقاء تحت قيادة مدربه ماريوس سومديكا وهو يدرك تماماً أن الخطأ ممنوع؛ فالفريق يقبع في المركز السابع عشر برصيد 13 نقطة، وصراع البقاء بات يضيق عليه الخناق. في المقابل، وصل الفيحاء مع مدربه الخبير بيدرو ايمانويل وهو يطمح لتعزيز موقعه في المنطقة الدافئة بوسط الجدول. كانت الأجواء في الملعب مشحونة بالترقب، وصافرة الحكم سامي الجريس أعلنت بداية معركة تكتيكية بدا في دقائقها الأولى أن الأخدود سيحاول امتصاص حماس الضيوف، لكن الرياح الفيحاوية كانت تهب في اتجاه آخر تماماً.
الشوط الأول: لدغة مبكرة وارتباك في الصفوف
لم يمهل الفيحاء مضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه؛ ففي الدقيقة الحادية عشرة، ومن هجمة منظمة اتسمت بالسرعة والدقة، نجح اللاعب صبري دهل في هز الشباك معلناً الهدف الأول للضيوف. هذا الهدف المبكر نزل كالصاعقة على لاعبي الأخدود، الذين فقدوا توازنهم وبدأت تظهر عليهم علامات التوتر. هذا التوتر تُرجم سريعاً إلى تدخلات خشنة، حيث أشهر الحكم سامي الجريس البطاقة الصفراء في وجه صالح آل عباس في الدقيقة 31، ثم أتبعها بأخرى للمدافع سعيد الربيعي في الدقيقة 34.
شعر سومديكا أن المباراة بدأت تفلت من يديه، فقام بتبديل اضطراري وتكتيكي مبكر في الدقيقة 43 بخروج سباستيان بيدروزا ودخول ماتيو بوريل، في محاولة يائسة لإعادة الانضباط لوسط الملعب قبل نهاية الشوط الأول. انتهى النصف الأول بتقدم الفيحاء بهدف نظيف، وسط شعور عام بأن الأخدود لا يزال يمتلك فرصة للعودة إذا ما استغل الاستراحة لتصحيح المسار.
الشوط الثاني: انهيار الأخدود وتوهج "جاسون" و"ساكالا"
مع انطلاقة الشوط الثاني، دفع الأخدود باللاعب توكماك نجووين بدلاً من جوخان جول لزيادة الكثافة الهجومية، لكن الفيحاء كان قد قرر إغلاق كل الأبواب. في الدقيقة 49، تلقى مدافع الفيحاء المخضرم كريس سمولينغ بطاقة صفراء، لكنها كانت مجرد تفصيل صغير في خضم السيطرة الفيحاوية المطلقة. بدأت الملحمة الحقيقية في الدقيقة 55، عندما أرسل المتألق جاسون تمريرة حاسمة متقنة وضعها ألفا سيميدو في المرمى، معلناً الهدف الثاني.
لم يكد الأخدود يستفيق من صدمة الهدف الثاني حتى عاد جاسون مرة أخرى في الدقيقة 61 ليصنع الهدف الثالث، وهذه المرة لزميله القناص فاشون ساكالا الذي لم يتوانَ عن وضع الكرة في الشباك. الانهيار الدفاعي للأخدود أصبح جلياً للعيان، وبدا أن الفريق قد استسلم تماماً للإعصار البرتقالي. وفي الدقيقة 66، تبادل الثنائي الأدوار؛ حيث قدم ساكالا تمريرة على طبق من ذهب لزميله جاسون، الذي تُوج مجهوده الكبير بتسجيل الهدف الرابع بنفسه، لتصبح النتيجة رباعية نظيفة في غضون 11 دقيقة فقط من الجنون الكروي.
التبديلات التكتيكية والضربة القاضية
أجرى كلا المدربين سلسلة من التبديلات في الدقيقة 68؛ حيث حاول سومديكا حفظ ما وجهه بإشراك خالد اللزام ومهند القيضي، بينما بدأ بيدرو ايمانويل في إراحة نجومه وتنشيط صفوفه بدخول منصور البيشي وريان المطيري. خروج النجم جاسون في الدقيقة 71 ودخول سيلفير جانفولو كان بمثابة رسالة بأن الفيحاء لن يكتفي بالأربعة.
في الدقائق العشر الأخيرة، واصل الفيحاء سيطرته الهادئة، وأشرك عبدالله رديف ونواف الحارثي بدلاً من بنزية وساكالا. وبينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتحديداً في الدقيقة 90+1، أبى البديل سيلفير جانفولو إلا أن يضع بصمته الخاصة، فاستغل تمريرة عرضية نموذجية من أحمد بامسعود ليودعها المرمى، مختتماً خماسية تاريخية للفيحاء في قلب نجران.
التحليل الختامي: فوارق شاسعة وطموحات متناقضة
أظهرت الإحصائيات تفوقاً كاسحاً للفيحاء في استغلال الفرص؛ فالفريق لم يكتفِ بالاستحواذ بل كان فتاكاً في الثلث الأخير من الملعب. التناغم بين جاسون وساكالا كان مفتاح الفوز، حيث تبادلا الأدوار في الصناعة والتسجيل ببراعة فائقة. في المقابل، بدا الأخدود تائهاً، وفشلت تبديلات سومديكا في إحداث أي فارق يذكر أمام تنظيم دفاعي صلب قاده سمولينغ بامتياز.
بهذه النتيجة، رفع الفيحاء رصيده إلى 30 نقطة، ليقفز بثبات نحو المركز العاشر، مؤكداً أنه فريق يمتلك الشخصية والقدرة على الفوز بنتائج عريضة خارج ملعبه. أما الأخدود، فقد تجمد رصيده عند 13 نقطة في المركز قبل الأخير، لتدق أجراس الخطر بقوة في أروقة النادي، حيث بات الفريق بحاجة إلى معجزة حقيقية في الجولات القادمة لتجنب شبح الهبوط الذي أصبح يطارده أكثر من أي وقت مضى.
لقد كانت ليلة للنسيان للأخدود، وليلة للتاريخ للفيحاء، ليلة أثبتت أن دوري روشن السعودي لا يعترف إلا بمن يقاتل حتى الصافرة الأخيرة، وبمن يمتلك الدقة والتركيز أمام المرمى. غادرت جماهير نجران الملعب في صمت، بينما احتفل لاعبو الفيحاء بفوز سيعطيهم دفعة معنوية هائلة فيما تبقى من مشوار الدوري.


