دراما تبوك: صراع العقول بين جالتييه وتيشاموسكا ينتهي بتعادل مثير في أنفاسه الأخيرة
تحت أضواء استاد مدينة الملك خالد الرياضية في تبوك، وبحضور جماهيري غلف المدرجات بحماس منقطع النظير، شهدت الجولة السادسة والعشرون من دوري روشن السعودي ملحمة كروية لم تبح بكامل أسرارها إلا مع صافرة النهاية. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم بين نيوم والتعاون، بل كانت معركة تكتيكية كبرى جمعت بين فكر الفرنسي كريستوف جالتييه ورؤية البرازيلي بريكليس تيشاموسكا، لتنتهي القصة بتعادل إيجابي 2-2، ترك بصمة لا تُنسى في ذاكرة هذا الموسم.
بداية عاصفة وزئير في المدرجات
منذ اللحظة الأولى التي أطلق فيها الحكم محمد السماعيل صافرة البداية، بدا واضحاً أن أصحاب الأرض، فريق نيوم، دخلوا اللقاء برغبة جامحة لفرض أسلوبهم. سيطر التوتر على الدقائق الأولى وسط محاولات جس نبض متبادلة، لكن نيوم لم يمهل ضيوفه الكثير من الوقت. وفي الدقيقة 23، ومن هجمة منظمة بدأت من وسط الميدان، أرسل أبدولاي دوكوري تمريرة حاسمة وضعت لوتشيانو رودريجيز في مواجهة الشباك، ليطلق الأخير تسديدة سكنت المرمى، معلناً عن الهدف الأول الذي أشعل مدرجات تبوك.
لم يتراجع نيوم بعد الهدف، بل استمر في ضغطه العالي، وفي الدقيقة 32 حبست الجماهير أنفاسها حين تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لمراجعة لقطة مثيرة للجدل، قبل أن يستمر اللعب وسط اعتراضات هادئة. ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، بدأت البطاقات الصفراء تظهر في جيب الحكم السماعيل نتيجة الالتحامات القوية، حيث نال خليفة الدوسري إنذاراً في الدقيقة 42، وتبعه روجير مارتنيز من جانب التعاون في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع، لينتهي الشوط الأول بتقدم مستحق لنيوم وسط سيطرة ميدانية واضحة.
إعصار السكري وعودة الروح
دخل التعاون الشوط الثاني بوجه مغاير تماماً، حيث دفع تيشاموسكا بلاعبيه للأمام مستغلاً قدرات أشرف المهديوي في ضبط إيقاع اللعب. ورغم حصول فلافيو على بطاقة صفراء في الدقيقة 62، إلا أن "سكري القصيم" ظل يبحث عن ثغرة في دفاعات نيوم. نقطة التحول الكبرى كانت في الدقيقة 68، عندما قرر تيشاموسكا إجراء تبديل هجومي بدخول محمد الكويكبي بدلاً من مارين بلامينوف بيتكوف، وهو التبديل الذي غيّر ملامح المباراة تماماً.
في الدقيقة 70، وبصناعة متقنة من المايسترو أشرف المهديوي، نجح روجير مارتنيز في تسجيل هدف التعادل، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. لكن فرحة التعاون لم تدم طويلاً، ففي الدقيقة 76، ومن كرة عرضية رائعة أرسلها سعيد بن رحمة، ارتقى القناص الفرنسي ألكسندر لاكازيت فوق الجميع ليودع الكرة الشباك، معيداً التقدم لنيوم بنتيجة 2-1. اشتعلت المباراة أكثر، ونال لاكازيت بطاقة صفراء في الدقيقة 81 وسط أجواء مشحونة بالتوتر والرغبة في الحسم.
جنون الدقائق الأخيرة والضربة القاضية
مع اقتراب المباراة من نهايتها، لجأ جالتييه إلى دكة البدلاء لتأمين دفاعاته، فأخرج سعيد بن رحمة ولاكازيت، ودفع بأيمن فلاته وأحمد عبده. في المقابل، رمى تيشاموسكا بكل أوراقه، حيث أجرى تبديلات شملت دخول مشعل العلائلي وكشيم القحطاني. وبينما كان الجميع يظن أن النقاط الثلاث ستبقى في تبوك، ظهر البديل الناجح محمد الكويكبي في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع (90+3)، ليستغل تمريرة ثانية حاسمة من أشرف المهديوي ويسكنها الشباك، محققاً تعادلاً قاتلاً للتعاون.
الدقائق المتبقية شهدت توتراً كبيراً، حيث أشهر الحكم بطاقة صفراء لأمادو كوني من نيوم في الدقيقة 90+6، وسط محاولات يائسة من الفريقين لخطف هدف الفوز. لتنتهي المباراة بتعادل عادل في نتيجته، ومجنون في أحداثه، عكس القيمة الفنية العالية للفريقين.
قراءة في الأرقام والتكتيك
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن التعاون كان الأكثر استحواذاً على الكرة بنسبة 56% مقابل 44% لنيوم، مما يعكس رغبة الضيوف في السيطرة على وسط الملعب عبر 488 تمريرة بدقة وصلت إلى 86.89%. في المقابل، كان نيوم أكثر خطورة ومباشرة على المرمى، حيث سدد لاعبوه 17 تسديدة، منها 7 تسديدات بين الخشبات الثلاث، مقارنة بـ 14 تسديدة للتعاون.
التفوق التكتيكي لنيوم في التحولات الهجومية اصطدم بصلابة التعاون وقدرة بدلاء تيشاموسكا على إحداث الفارق. كما كان لأشرف المهديوي دور البطولة المطلق في صفوف التعاون بصناعته لهدفي فريقه، بينما أثبت لاكازيت أنه لا يزال يمتلك غريزة الهداف القاتل رغم الرقابة اللصيقة التي فُرضت عليه طوال اللقاء.
ماذا يعني هذا التعادل؟
بهذه النتيجة، رفع التعاون رصيده إلى 46 نقطة معززاً مكانه في المركز الخامس، ومواصلاً مطاردة المربع الذهبي، بينما وصل نيوم إلى النقطة 34 في المركز الثامن. بالنسبة لنيوم، يشكل هذا التعادل طعماً مراً لخسارة نقطتين في الرمق الأخير، لكنه يؤكد في الوقت ذاته تطور الفريق وقدرته على مقارعة الكبار تحت قيادة جالتييه. أما التعاون، فقد أثبت مجدداً أنه فريق لا يستسلم أبداً، وأن "شخصية السكري" حاضرة دائماً حتى في أصعب الظروف وخارج الديار.


