زلزال في العاصمة: "مدرسة الوسطى" تقلب الطاولة على العميد في ليلة درامية
في ليلة من ليالي دوري روشن السعودي التي لا تُنسى، احتضن استاد مدينة الأمير فيصل بن فهد الرياضية بالرياض ملحمة كروية جسدت جنون كرة القدم في أبهى صورها. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت صراعاً بين طموح "مدرسة الوسطى" الساعية للهروب من مناطق الخطر، وكبرياء "العميد" الباحث عن تثبيت أقدامه في مراكز المقدمة. وبصافرة الحكم فريح الجلعود، انطلقت الحكاية التي انتهت بفوز تاريخي لنادي الرياض على الاتحاد بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، في سيناريو لم يتوقعه أشد المتفائلين من عشاق أصحاب الأرض.
بداية اتحادية صاعقة وهدوء ما قبل العاصفة
دخل الاتحاد المباراة وعينه على النقاط الثلاث، ولم يمهل ضيفه سوى دقائق معدودة ليعلن عن نواياه الهجومية الشرسة. ففي الدقيقة الرابعة فقط، ومن هجمة منظمة قادها الموهوب روجر فيرنانديز، أرسل عرضية متقنة ارتقى لها القناص المغربي يوسف النصيري، ليوجهها برأسية سكنت الشباك، معلناً تقدم العميد ومشعلاً مدرجات الجماهير الاتحادية التي ظنت أن الطريق سيكون مفروشاً بالورود. سيطر الاتحاد على مجريات الشوط الأول طولاً وعرضاً، حيث بلغت نسبة استحواذهم على الكرة أرقاماً قياسية وصلت إلى 68%، وسط تراجع دفاعي من لاعبي الرياض الذين اكتفوا بامتصاص الحماس الاتحادي، ولم يخلُ هذا الشوط من بعض التوتر، حيث نال لاعب الرياض أحمد السياحي بطاقة صفراء في الدقيقة 22 نتيجة تدخل قوي لتعطيل الماكينات الاتحادية.
انتفاضة "مدرسة الوسطى" والعودة من بعيد
مع بداية الشوط الثاني، أجرى مدرب الرياض ماوريسيو دولاك تغييراً تكتيكياً بدخول إينيس سالي بدلاً من أسامة البواردي، وهو التغيير الذي أعطى زخماً هجومياً فورياً. ولم تمضِ سوى دقيقتين حتى صعق لياندرو أنتونيس الجميع بهدف التعادل في الدقيقة 48، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر ويقلب الحسابات الفنية للمدرب البرتغالي سيرجيو كونسيساو. هذا الهدف منح لاعبي الرياض ثقة هائلة، وبدأت ملامح المباراة تتغير؛ فبالرغم من سيطرة الاتحاد على الكرة وتجاوز عدد تمريراتهم 560 تمريرة بدقة وصلت إلى 91%، إلا أن هجمات الرياض كانت تحمل سمّاً زعافاً في كل مرة يتجاوزون فيها خط المنتصف.
صراع المدربين والضربة القاضية
شعر كونسيساو بالخطر، فدفع بأوراقه الرابحة في الدقيقة 62، حيث أخرج صاحب الهدف النصيري وفيصل الغامدي، ليشرك صالح الشهري والفرنسي السريع موسى ديابي، متبعاً إياهم بعبد الرحمن العبود في محاولة لاستعادة السيطرة. لكن ماوريسيو دولاك كان يقرأ المباراة بذكاء شديد، حيث دفع بـ مامادو سيلا ديالو في الدقيقة 75 لإنعاش الهجوم. وفي غمرة المحاولات الاتحادية، ومن هجمة مرتدة سريعة في الدقيقة 80، استلم النجم توزي الكرة وبلمسة فنية رائعة أودعها الشباك، معلناً الهدف الثاني للرياض وسط ذهول لاعبي الاتحاد وجهازهم الفني.
الدراما تبلغ ذروتها في الوقت القاتل
لم تنتهِ الإثارة عند هذا الحد، بل احتفظت الدقائق الأخيرة بقمة الإثارة. فبينما كان الاتحاد يرمي بكل ثقله للأمام، احتسب الحكم فريح الجلعود ركلة جزاء للرياض في الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع بعد العودة لتقنية الفيديو VAR. انبرى لها البديل مامادو سيلا ديالو في الدقيقة 94، ورغم أنه أهدر الركلة في المرة الأولى، إلا أن الكرة عادت إليه ليتابعها ببراعة داخل المراكب الاتحادية، مطلقاً رصاصة الرحمة على آمال العميد في العودة، ومؤكداً انتصار فريقه بثلاثية مدوية.
تحليل فني: الفعالية تنتصر على الاستحواذ
تُعلمنا هذه المباراة درساً قاسياً في كرة القدم؛ فالاستحواذ ليس كل شيء. الاتحاد سدد 9 تسديدات منها 3 فقط بين القائمين والعارضة، بينما كان الرياض أكثر حزماً بـ 5 تسديدات على المرمى من أصل 9 محاولات. تفوق الاتحاد في الركنيات (7 مقابل 4) وفي عدد التمريرات، لكنه افتقد للنجاعة الهجومية والقدرة على اختراق الدفاع المتكتل للرياض. تبديلات ماوريسيو دولاك كانت هي العلامة الفارقة، حيث ساهم البدلاء بشكل مباشر في تغيير النتيجة، بينما لم تنجح تبديلات كونسيساو في كسر صمود أصحاب الأرض.
خاتمة: فوز يعيد الروح للرياض وصفعة للعميد
بهذا الانتصار الثمين، رفع الرياض رصيده من النقاط في خطوة عملاقة للابتعاد عن قاع الترتيب، محققاً فوزاً معنوياً سيبقى طويلاً في ذاكرة جماهيره، خاصة وأنه جاء أمام أحد كبار القارة. أما الاتحاد، فقد كانت هذه الخسارة بمثابة جرس إنذار شديد اللهجة، حيث تجمد رصيده عند 42 نقطة في المركز السادس، مما يضع ضغوطاً هائلة على الفريق في الجولات القادمة. غادر لاعبو الرياض الملعب تحت تصفيق حار، بينما كانت الحسرة واضحة على وجوه لاعبي الاتحاد الذين سيطروا على الكرة، لكنهم خسروا المعركة التكتيكية في "قلب العاصمة".


