"ريمونتادا" زلزلت أركان الدمام.. القادسية يروض "الراقي" في ملحمة كروية خالدة
في ليلةٍ لم تكن كغيرها من ليالي دوري روشن السعودي، احتضن استاد الأمير محمد بن فهد بالدمام فصلاً جديداً من فصول الجنون الكروي، حيث شهدت المواجهة التي جمعت بين القادسية وضيفه الأهلي سيناريو لا يجرؤ أعتى كتاب الدراما على صياغته. هي مباراة لم تكن مجرد ثلاث نقاط في صراع الجدول، بل كانت اختباراً للصمود، ودرساً في الإرادة، انتهى بفوز تاريخي للقادسية بنتيجة 3-2، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من الخسارة، ليقلب الطاولة في اللحظات القاتلة ويترك جماهير "الراقي" في حالة من الذهول.
البداية الخضراء.. أنياب "توني" تفتتح السهرة
انطلقت المباراة تحت صافرة الحكم كيفن أورتيجا، وسط أجواء جماهيرية مشحونة بالحماس. دخل ماتياس يايسله، مدرب الأهلي، المباراة وعينه على تعزيز وصافته، بينما سعى بريندان رودجرز لإثبات أن القادسية رقم صعب في معادلة الكبار. في الدقائق الأولى، فرض الأهلي إيقاعه، وفي الدقيقة 27، انفجرت الفرحة في المدرجات الخضراء عندما نجح القناص ايفان توني في هز الشباك معلناً الهدف الأول للأهلي. لم يكتفِ توني بالتسجيل، بل نال بطاقة صفراء في الدقيقة 38، في شوط شهد توتراً واضحاً أدى لخروج مدافع القادسية وليد الاحمد للإصابة ودخول جهاد ذكري بدلاً منه.
وقبل أن يلملم القادسية أوراقه للذهاب لغرف الملابس، وجه الأهلي ضربة ثانية بدت قاضية؛ ففي الدقيقة 42، ومن تمريرة حاسمة للمتألق جالينو، نجح فالنتين أتانغانا إيدوا في تسجيل الهدف الثاني، ليخرج الأهلي متقدماً بهدفين نظيفين، وسط سيطرة ميدانية بلغت 36% فقط للأهلي لكن بفاعلية هجومية مرعبة، بينما استحوذ القادسية سلبياً بنسبة وصلت إلى 64% دون خطورة حقيقية.
شرارة العودة.. مصعب الجوير يعيد الأمل
مع انطلاق الشوط الثاني، بدا أن بريندان رودجرز قد ألقى بكلمات سحرية في آذان لاعبيه. بدأ القادسية يضغط بكل ثقله، وتعددت البطاقات الصفراء مع ارتفاع رتم الالتحامات البدنية. وفي الدقيقة 63، اشتعل الملعب من جديد؛ تمريرة ذكية من كريستوفر باه وضعت الموهوب مصعب الجوير في موقف التسجيل، ليبطلق قذيفة سكنت شباك الأهلي، معلناً تقليص الفارق إلى 1-2. هذا الهدف لم يكن مجرد رقم، بل كان بمثابة "الشرارة" التي أعادت الروح لفرسان الشرقية.
شعر يايسله بالخطر، وبدأ في إجراء تبديلات دفاعية للحفاظ على التقدم، حيث أخرج رياض محرز وعلي مجرشي، لكن القادسية كان قد بدأ بالفعل في محاصرة منطقة جزاء الأهلي. ومع دخول الدقيقة 71، دفع رودجرز بورقته الرابحة تركي العمار، مراهناً على سرعته ومهارته في اختراق حصون "الراقي" التي بدأت تظهر عليها علامات الإعياء.
دقائق الجنون.. زلزال في الوقت بدل الضائع
حينما أشارت اللوحة الإلكترونية إلى الدقيقة 90، ظن الجميع أن الأهلي في طريقه للعودة بجدة وفي جعبته النقاط الثلاث. لكن القدر كان يخبئ فصلاً درامياً نادراً. في الدقيقة 90+2، ومن عرضية متقنة أخرى من المهندس كريستوفر باه، ارتقى البديل تركي العمار ليضع الكرة في الشباك. حبس الجميع أنفاسهم بانتظار قرار "الفار"، وبعد لحظات من الترقب، أكد الحكم صحة الهدف، لتنفجر مدرجات الدمام فرحاً بالتعادل 2-2.
لم يكتفِ القادسية بالتعادل، بل استغل الانهيار النفسي للاعبي الأهلي. وفي الدقيقة 90+8، وفي غمرة الاندفاع الهجومي، ظهر البديل الآخر إبراهيم محنشي كبطلٍ غير متوقع، حيث استقبل كرة داخل المنطقة وسددها بقوة في المرمى، محرزاً الهدف الثالث وسط ذهول لاعبي الأهلي ومدربهم يايسله. في تلك اللحظة، تحول الملعب إلى ساحة من الاحتفالات الجنونية، بينما سقط لاعبو الأهلي على الأرض غير مصدقين لما حدث.
التحليل التكتيكي.. دهاء رودجرز وتراجع يايسله
تكمن قصة هذه المباراة في دكة البدلاء؛ فبينما فشلت تبديلات يايسله في تأمين دفاعاته، نجح بريندان رودجرز في تغيير مجرى اللقاء كلياً. دخول تركي العمار وإبراهيم محنشي لم يكن مجرد تغيير أسماء، بل كان تغييراً في العقلية الهجومية. الإحصائيات تعكس سيطرة القادسية المطلقة على الكرة بنسبة 64%، وإجبار الأهلي على ارتكاب 20 خطأً، مما أدى لحصول لاعبي الأهلي على 5 بطاقات صفراء، أبرزها لفرانك كيسيه وروجر إيبانيز وزياد الجهني.
ورغم أن الأهلي كان أكثر دقة في التسديد بـ 5 تسديدات على المرمى مقابل 3 للقادسية، إلا أن القادسية كان "قاتلاً" في استغلال الفرص القليلة التي أتيحت له في الأمتار الأخيرة. القوة البدنية والتركيز العالي في الدقائق العشر الأخيرة من الوقت بدل الضائع كانت هي الفيصل في هذه المعركة الكروية.
الخاتمة.. القادسية يعلن عن نفسه بطلاً للمواقف الصعبة
بهذه النتيجة المدوية، رفع القادسية رصيده إلى 60 نقطة، محتلاً المركز الرابع ومقترباً أكثر من مراكز المقدمة، ليثبت أنه لم يعد مجرد فريق صاعد، بل منافس شرس يمتلك شخصية البطل. أما الأهلي، فقد تجمد رصيده عند 62 نقطة في المركز الثاني، في خسارة ستلقي بظلالها طويلاً على البيت الأهلاوي، خاصة وأنها جاءت بعد تقدم مريح بهدفين.
لقد كانت ليلة الدمام درساً في أن كرة القدم لا تعترف بالأسماء أو التاريخ بقدر ما تعترف بالعطاء حتى الصافرة الأخيرة. غادر الجمهور الاستاد وهم يتحدثون عن "ريمونتادا" تاريخية، وعن مدرب عرف كيف يدير دفة السفينة وسط الأمواج، وعن لاعبين كتبوا أسماءهم بمداد من ذهب في ذاكرة دوري روشن.


