رأسية سافيتش تروض "نمور الفتح" وتمنح الهلال انتصاراً ثميناً في قلب الأحساء
في ليلةٍ تجلت فيها روح الإصرار، وعانق فيها طموح الصدارة عبق التاريخ في واحة الأحساء، نجح "كبير آسيا" نادي الهلال في العودة بنقاط المباراة كاملة من معقل مستضيفه الفتح، بعد ملحمة كروية حبست الأنفاس حتى الثواني الأخيرة. لم تكن مجرد مباراة في دوري روشن السعودي، بل كانت اختباراً حقيقياً لقوة الشكيمة التكتيكية بين مدرستين أوروبيتين يقودهما الإيطالي سيمون إنزاجي والبرتغالي جوزيه جوميز، وانتهت بفوز هلالي ضيق ولكنه مستحق بنتيجة 1-0، ليعزز "الزعيم" موقعه في وصافة الترتيب مطارداً القمة بكل ضراوة.
أجواء ما قبل المعركة: الأحساء تكتسي بحلة التحدي
تحت أضواء ملعب ميدان تمويل الأولى، وبحضور جماهيري غفير ملأ المدرجات صخباً وحماسة، كانت الأجواء تشير إلى مواجهة من العيار الثقيل. الفتح، صاحب الأرض والجمهور، دخل اللقاء وعينه على إيقاف قطار الهلال السريع، متسلحاً بتنظيم دفاعي محكم وروح قتالية عالية. في المقابل، دخل الهلال المباراة بضغوطات كبيرة، حيث لا بديل عن الفوز لمواصلة مطاردة المتصدر، خاصة وأن الفريق يمتلك سجلاً خالياً من الهزائم هذا الموسم. صافرة الحكم الدولي كريستيان جاراي أعلنت انطلاق المباراة، ومعها بدأت رحلة البحث عن الثغرة في جدار "النموذجي" الصلب.
الشوط الأول: صراع تكتيكي وإصابة مباغتة
بدأ الشوط الأول بحذر متبادل، حيث حاول الهلال فرض أسلوبه المعتاد من خلال الاستحواذ على الكرة وتدوير اللعب في منتصف الميدان، بينما اعتمد الفتح على تضييق المساحات والاعتماد على المرتدات السريعة. لم تمر سوى 28 دقيقة حتى تلقى سيمون إنزاجي ضربة موجعة بخروج المدافع الصلب حسان تمبكتي متأثراً بإصابة، ليحل مكانه الشاب عبد الكريم دارسي، وهو تبديل اضطراري أعاد ترتيب الأوراق الدفاعية للهلال مبكراً. زادت حدة التوتر في الدقيقة 35 عندما نال المدافع السنغالي كاليدو كوليبالي بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي لتعطيل هجمة فتحاوية واعدة. ورغم المحاولات الهلالية الخجولة، انتهى الشوط الأول سلبياً، وسط صمود دفاعي بطولي من لاعبي الفتح بقيادة مروان سعدان.
الشوط الثاني: لحظة الانفجار وصاعقة سافيتش
مع انطلاقة الشوط الثاني، لم يمهل الهلال مضيفه الكثير من الوقت لترتيب صفوفه. وفي الدقيقة 48، ومن جملة تكتيكية رائعة، أرسل محمد كنو عرضية متقنة داخل منطقة الجزاء، ارتقى لها الصربي سيرجي سافيتش فوق الجميع، مودعاً الكرة برأسية قوية في شباك الفتح، ليعلن عن هدف التقدم الذي أشعل مدرجات الهلال. لم تكتمل فرحة سافيتش تماماً، إذ نال بطاقة صفراء في الدقيقة 52، مما أجبره على اللعب بحذر أكبر فيما تبقى من وقت. الفتح من جانبه لم يستسلم، وبدأ المدرب جوزيه جوميز في إجراء تغييرات هجومية، حيث دفع بعلي المسعود بدلاً من مهدي العبود في الدقيقة 58، ثم نايف مسعود بدلاً من جورج فيرنانديز في الدقيقة 68، محاولاً استعادة السيطرة على وسط الملعب.
صراع التبديلات وحبس الأنفاس في الدقائق الأخيرة
شهدت الدقيقة 72 تحولاً تكتيكياً بارزاً من إنزاجي، الذي قرر سحب نجميه كريم بنزيما وسالم الدوسري، ليدفع بالبرازيلي الشاب ماركوس ليوناردو وسلطان مندش، في محاولة لتنشيط الدماء الهجومية واستغلال الاندفاع الفتحاوي. الفتح واصل ضغطه، ونال مروان سعدان بطاقة صفراء في الدقيقة 65 نتيجة الخشونة. وفي الدقائق العشر الأخيرة، بلغت الإثارة ذروتها؛ حيث أجرى الفتح تبديلين مزدوجين بدخول عثمان العثمان وجيفرسون راموس بدلاً من سفيان بن دبكة وويسلي ديلجادو. وفي المقابل، لجأ إنزاجي لتأمين دفاعاته في الدقيقة 90، بإشراك علي لاجامي ومراد هوساوي بدلاً من مالكوم ومحمد كنو، لغلق كل المنافذ المؤدية لمرمى ياسين بونو.
دراما الـ VAR وصافرة النهاية
لم تنتهِ الحكاية عند الدقيقة التسعين، بل امتدت الإثارة إلى الوقت بدل الضائع الذي شهد مراجعة مطولة لتقنية الفيديو (VAR) في الدقيقة 90+7 حول لقطة مثيرة للجدل داخل منطقة جزاء الهلال، حبست أنفاس الجماهير في الملعب وخلف الشاشات. وبعد ترقب شديد، أشار الحكم كريستيان جاراي باستمرار اللعب، وسط اعتراضات من دكة بدلاء الفتح. استمر اللعب حتى الدقيقة 101، ليطلق الحكم صافرته المعلنة عن فوز هلالي عسير، في مباراة أظهرت فيها الأرقام تفوق الهلال في الاستحواذ بنسبة 54%، بينما كان الفتح أكثر محاولة بـ 11 تسديدة مقابل 7 للهلال، مما يعكس الشراسة التي واجهها الزعيم في هذه الموقعة.
التحليل الختامي: شخصية البطل تفرض نفسها
أثبتت هذه المباراة أن الهلال يمتلك "شخصية البطل" القادرة على خطف النقاط حتى في أصعب الظروف وأقل مستوياته الهجومية. كان محمد كنو هو الجندي المجهول في وسط الميدان، حيث لم يكتفِ بصناعة الهدف الوحيد، بل كان حائط الصد الأول أمام هجمات الفتح. في المقابل، قدم الفتح مباراة تكتيكية كبيرة، وكان ينقصه فقط اللمسة الأخيرة أمام المرمى، حيث تألق دفاع الهلال في تشتيت 31 كرة خطيرة. التبديلات التي أجراها إنزاجي في الشوط الثاني، رغم جرأتها بإخراج بنزيما والدوسري، ساهمت في الحفاظ على التوازن الدفاعي ومنع الفتح من العودة في النتيجة خلال الدقائق الحرجة.
ماذا يعني هذا الفوز؟
بهذا الانتصار، رفع الهلال رصيده إلى 64 نقطة، محكماً قبضته على المركز الثاني ومقلصاً الفارق مع المتصدر، مع الحفاظ على سجله التاريخي الخالي من الهزائم في 26 مباراة متتالية (19 فوزاً و7 تعادلات). أما الفتح، فرغم الخسارة، فقد قدم أداءً يشفع له ويؤكد قدرته على مقارعة الكبار، متجمداً رصيده عند 28 نقطة في المركز الثالث عشر. لقد كانت ليلة "سافيتشية" بامتياز، أكدت أن الحلول الفردية في الهلال هي دائماً المفتاح لفك شفرات أصعب الدفاعات في دوري روشن السعودي.
The title of the article
The first paragraph...
Sub-headline
Another paragraph...


