ليلة "الريمونتادا" في بريدة: ضمك يقلب الطاولة على النجمة في صراع الهروب من القاع
تحت أضواء استاد مدينة الملك عبدالله الرياضية ببريدة، وفي ليلة حبست أنفاس عشاق الساحرة المستديرة، شهد دوري روشن السعودي فصلاً جديداً من فصول الإثارة والتشويق. لم تكن مجرد مباراة عادية بين النجمة وضيفه ضمك، بل كانت معركة تكسير عظام في وقت حرج من عمر المسابقة، حيث يبحث كل فريق عن طوق نجاة ينتشله من دوامة المراكز المتأخرة. انتهت الموقعة بفوز ثمين ومثير للضيوف بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، في سيناريو دراماتيكي لم يكتب فصوله الأخيرة إلا في الربع ساعة الأخير.
أجواء مشحونة وطموحات متباينة
دخل الفريقان أرضية الميدان والضغوط تثقل كواهل اللاعبين؛ فالنجمة القابع في المركز الثامن عشر كان يمني النفس بانتصار يعيد له الأمل المفقود، بينما سعى ضمك صاحب المركز الخامس عشر لتأمين نفسه والابتعاد خطوة إضافية عن مناطق الخطر. المدرب نيستور الماسترو، المدير الفني للنجمة، اعتمد على أسلوب دفاعي محكم مع المراهنة على المرتدات، بينما حاول البرازيلي المحنك فابيو كاريلى، مدرب ضمك، فرض سيطرته على وسط الميدان منذ البداية. كانت الأجواء في المدرجات مشتعلة، وصافرة الحكم محمد أبو شقارة أعلنت انطلاق ملحمة كروية لم تخلُ من القوة والندية.
الشوط الأول: حذر تكتيكي وصراع البطاقات
بدأت المباراة بإيقاع سريع، لكن الحذر التكتيكي كان السمة الغالبة. لم يمهل القدر اللاعبين طويلاً للدخول في الأجواء، حيث ظهر التوتر واضحاً منذ الدقيقة 11 عندما أشهر الحكم البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب النجمة بلال بوتوبا نتيجة تدخل قوي. استمر السجال في منتصف الملعب دون خطورة حقيقية على المرميين، حيث انحصر اللعب في صراعات بدنية أدت إلى إشهار المزيد من البطاقات؛ فنال محمد الصلخدي من جانب ضمك إنذاراً في الدقيقة 28، وتبعه زميله حسن ربيع ببطاقة صفراء أخرى في الوقت بدل الضائع من الشوط الأول (45+2). لينتهي النصف الأول من اللقاء بالتعادل السلبي، وسط ترقب لما سيحدث في الشوط الثاني.
انفجار الأهداف.. النجمة يباغت والرد يأتي صاعقاً
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل النجمة برغبة جامحة لكسر الصمت، ولم يتأخر ذلك كثيراً. في الدقيقة 51، اهتزت الشباك أخيراً عندما نجح فيليبي كاردوسو في تسجيل هدف التقدم للنجمة، مشعلاً مدرجات بريدة بفرحة عارمة. هذا الهدف وضع ضمك في مأزق حقيقي، وزاد من توتر لاعبيه، حيث تلقى ياكو ميتي إنذاراً في الدقيقة 56، تلاه طارق عبدالله في الدقيقة 60.
شعر فابيو كاريلى أن المباراة تفلت من بين يديه، فتدخل فوراً بإجراء تبديلات مزدوجة في الدقيقة 62، حيث أشرك عبدالله القحطاني وضاري العنزي بدلاً من محمد الصلخدي وحسن ربيع. لم تمضِ سوى دقيقتين حتى آتت التغييرات ثمارها؛ ففي الدقيقة 64، أرسل عبدالقادر بدران تمريرة حاسمة متقنة، استقبلها ياكو ميتي ببراعة ليضعها في الشباك معلناً تعادل الكفتين وإعادة المباراة إلى نقطة الصفر.
إعصار ضمك يكتسح النجمة في اللحظات الأخيرة
لم يكتفِ ضمك بالتعادل، بل استمر في ضغطه العالي مستغلاً الانهيار النفسي النسبي للاعبي النجمة. واصل كاريلى تنشيط فريقه بإدخال رياض شراحيلى، بينما حاول الماسترو الرد بإقحام دافيد تيجانيتش. لكن الكلمة العليا كانت للنجم فالنتين فادا، الذي تقمص دور البطولة في الدقيقة 78، مسجلاً الهدف الثاني لضمك بلمسة فنية رائعة قلبت الطاولة تماماً على أصحاب الأرض.
وبينما كان النجمة يحاول لملمة أوراقه للعودة، وجه ضمك الضربة القاضية في الدقيقة 85. ومن تمريرة ساحرة من صاحب الهدف الثاني فالنتين فادا، نجح جوناثان أوكيتا في تدوين اسمه ضمن قائمة الهدافين بتسجيله الهدف الثالث، ليقضي على آمال النجمة تماماً. ورغم حصول رياض شراحيلى على بطاقة صفراء في الدقيقة 84، إلا أن السيطرة الميدانية لضمك كانت مطلقة في الدقائق الأخيرة.
التحليل الفني: كيف حسم كاريلى المعركة؟
كانت المباراة درساً في إدارة التبديلات؛ فبينما نجح كاريلى في قراءة الملعب وتنشيط الأطراف والعمق في الوقت المناسب، بدا النجمة عاجزاً عن الحفاظ على تقدمه. فالنتين فادا كان المحرك الأساسي لضمك، حيث سجل هدفاً وصنع آخر، مما جعله رجل المباراة بلا منازع. في المقابل، عانى النجمة من نقص التركيز في المناطق الدفاعية بعد استقبال هدف التعادل، ولم تنجح تبديلات الماسترو المتأخرة، مثل دخول راكان الطليحي ومحمد صالح العقل، في تغيير الواقع المرير.
من الناحية الإحصائية، تعكس المباراة مدى الندنية، حيث شهد اللقاء 7 بطاقات صفراء (2 للنجمة و5 لضمك)، مما يدل على الشحن العصبي الكبير. كما أن تسجيل ضمك لثلاثة أهداف من هجمات منظمة يعكس الفوارق الفنية التي ظهرت بوضوح في النصف الأخير من الشوط الثاني.
الخاتمة: ضمك يتنفس الصعداء والنجمة في نفق مظلم
بإطلاق محمد أبو شقارة صافرة النهاية، أعلن عن فوز مستحق لضمك رفع رصيده إلى 25 نقطة، ليخطو خطوة عملاقة نحو المناطق الدافئة ويؤكد أن الفريق يمتلك الشخصية القوية للعودة في أصعب الظروف. أما النجمة، فقد تجمد رصيده عند 8 نقاط في قاع الترتيب، لتزداد مهمته تعقيداً في صراع البقاء، ويصبح الفريق بحاجة إلى معجزة حقيقية في الجولات القادمة لتفادي الهبوط. لقد كانت ليلة في بريدة، عنوانها الأبرز أن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يقاتل حتى الثواني الأخيرة.


