صمود "البرتقالي" يطفئ توهج "النواخذة": الفيحاء يقتنص نقاط الاتفاق في ليلة المجمعة
تحت أضواء استاد مدينة المجمعة الرياضية، وفي ليلة حبست الأنفاس حتى رمقها الأخير، نجح نادي الفيحاء في كتابة سطر جديد من سطور الإصرار في دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت معركة تكتيكية طغى عليها الحذر تارة والاندفاع الهجومي تارة أخرى، انتهت بفوز ثمين لأصحاب الأرض بهدف نظيف، ليعمق جراح ضيفه الاتفاق ويزيد من أوجاعه في سلم الترتيب.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع العقول
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أجواء مشحونة بالتوقعات؛ فالفيحاء بقيادة مدربه المحنك بيدرو ايمانويل كان يبحث عن تأكيد صحوته، بينما سعى سعد الشهري، مدرب الاتفاق، لانتشال فريقه من دوامة النتائج السلبية التي طاردته في الجولات الأخيرة. كانت المدرجات تضج بالأهازيج، والعيون ترقب صافرة الحكم خالد الاحمري التي أعلنت بداية فصل من فصول الإثارة الكروية.
بدأت المباراة بجس نبض متبادل، حيث تركز اللعب في وسط الميدان مع أفضلية نسبية للفيحاء في الاستحواذ والانتشار. كانت تحركات ياسين بنزية تشكل خطورة مستمرة على دفاعات "النواخذة"، حيث نجح في الربط بين الخطوط ببراعة، بينما حاول الاتفاق الاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة التي افتقدت للمسة الأخيرة الحاسمة أمام مرمى الفيحاء المتماسك.
لحظة الانفجار وسحر بنزية
في الدقيقة الحادية والعشرين، ومن جملة تكتيكية مرسومة بدقة، أرسل ياسين بنزية تمريرة حريرية اخترقت حصون الدفاع الاتفاقي، لتجد المتربص ألفا سيميدو الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول للفيحاء. انفجرت مدرجات المجمعة فرحاً بهذا التقدم، بينما بدت علامات الحيرة على وجه سعد الشهري الذي رأى خطته تهتز مبكراً أمام إصرار "الفهود".
حاول الاتفاق الرد سريعاً، وضغط بكل ثقله لتعديل الكفة قبل نهاية الشوط الأول، إلا أن دفاع الفيحاء بقيادة المنظومة التي وضعها ايمانويل كانت بالمرصاد لكل المحاولات. انتهى الشوط الأول بتقدم مستحق لأصحاب الأرض، تاركاً خلفه تساؤلات حول قدرة الضيوف على العودة في النتيجة.
دراما "الفار" وصراع التبديلات
مع انطلاقة الشوط الثاني، دخل الاتفاق بروح مغايرة، وكثف من هجماته، لكن الفيحاء كاد أن يطلق رصاصة الرحمة في الدقيقة الرابعة والخمسين عندما سجل فاشون ساكالا هدفاً ثانياً بعد تمريرة من صبري دهل. غير أن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف بداعي وجود خطأ أو تسلل، مما أعاد الأمل لقلوب الاتفاقيين ومنح المباراة جرعة إضافية من الإثارة والتوتر.
أدرك سعد الشهري أن الوقت يداهمه، فأجرى تبديلاً هجومياً بدخول القناص موسى ديمبيلي بدلاً من مختار علي في الدقيقة 62، رغبة منه في تنشيط الخط الأمامي. وفي المقابل، كان بيدرو ايمانويل ذكياً في التعامل مع معطيات اللقاء، حيث دفع بـ عمار الخيبري بدلاً من صبري دهل لتأمين المناطق الدفاعية والحفاظ على التقدم الثمين.
الدقائق المجنونة وصمود حتى الرمق الأخير
شهدت الدقائق العشر الأخيرة قمة الإثارة؛ فالاتفاق رمى بكل أوراقه، حيث دفع الشهري بـ عبدالله مادو وعواد داهل في محاولة أخيرة لخطف التعادل. أما الفيحاء، فقد لجأ لتعزيز وسطه ودفاعه عبر دخول سيلفير جانفولو ومنصور البيشي وريان المطيري في الدقائق الأخيرة لامتصاص حماس الضيوف وتضييق المساحات.
بلغ التوتر ذروته في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، حيث أشهر الحكم خالد الاحمري البطاقة الصفراء في وجه لاعب الفيحاء أحمد بامسعود في الدقيقة 90+8 نتيجة التدخلات القوية لتعطيل اللعب. كانت كل ثانية تمر كأنها دهر على عشاق البرتقالي، حتى أطلق الحكم صافرة النهاية السعيدة لأهل الدار.
تحليل تكتيكي: كيف صمد الفيحاء؟
لقد كانت المباراة تجسيداً للانضباط التكتيكي؛ حيث تفوق بيدرو ايمانويل في قراءة المباراة، خاصة في الشوط الثاني. ورغم ضغط الاتفاق، إلا أن إحصائيات المباراة تشير إلى أن الفيحاء كان الأكثر تركيزاً في اللحظات الحاسمة. التبديلات المتأخرة ساهمت بشكل كبير في قتل رتم المباراة ومنع الاتفاق من بناء هجمات منظمة في الدقائق الأخيرة.
على الجانب الآخر، عانى الاتفاق من غياب النجاعة الهجومية رغم امتلاكه أسماءً وازنة مثل ديمبيلي، وبدت الفوارق الفنية واضحة في اللمسة الأخيرة. هذه الخسارة هي استمرار لسلسلة النتائج المخيبة للنواخذة، حيث لم يتذوقوا طعم الانتصار في أربع من آخر خمس مباريات لهم، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الفريق في المنافسة.
الخاتمة: الفيحاء يثبت أقدامه والاتفاق في نفق مظلم
بهذا الفوز، رفع الفيحاء رصيده إلى 33 نقطة محتلاً المركز التاسع، ومؤكداً أنه رقم صعب في الدوري السعودي، خاصة على ملعبه وبين جماهيره. هذا الانتصار هو التاسع له هذا الموسم، وهو بمثابة دفعة معنوية هائلة للاعبين والجهاز الفني للاستمرار في تسلق جدول الترتيب.
أما الاتفاق، فقد تجمد رصيده عند 39 نقطة في المركز السابع، ليبقى في دوامة الشك. لقد كانت ليلة المجمعة درساً في كيفية الحفاظ على المكتسبات، حيث أثبت "الفهود" أن الروح القتالية والتركيز الذهني هما المفتاح الحقيقي لتحقيق الانتصارات في المباريات الكبرى. غادر لاعبو الفيحاء الملعب تحت تصفيق حار، بينما غادر لاعبو الاتفاق برؤوس مطأطئة، بانتظار تصحيح المسار في القادم من المواعيد.


