ليلة "توني" الاستثنائية: الأهلي يروض صمود الفتح بثلاثية في جدة
تحت أضواء استاد مدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية المتلألئة في سماء جدة، وبحضور جماهيري غفير لم يكف عن الهتاف، شهدت الجولة الحادية والثلاثون من دوري روشن السعودي ملحمة كروية كان بطلها الأول المهاجم الإنجليزي إيفان توني. في أمسية كروية حبست الأنفاس حتى دقائقها الأخيرة، استطاع "الراقي" أن يفرض كلمته ويحقق انتصاراً ثميناً بنتيجة 3-1 على ضيفه الفتح، في مباراة لم تكن مجرد ثلاث نقاط، بل كانت استعراضاً للقوة والإصرار على التمسك بالمراكز الأمامية في سلم الترتيب.
صراع التكتيك وهدوء ما قبل العاصفة
دخل الألماني ماتياس يايسله اللقاء وهو يدرك تماماً أن مواجهة "نمور الفتح" بقيادة الخبير جوزيه جوميز لن تكون نزهة قصيرة. بدأت المباراة بحذر تكتيكي شديد، حيث تبادل الفريقان السيطرة في وسط الملعب، وسط محاولات من الأهلي لكسر التكتل الدفاعي المنظم للفتح. كانت الأجواء مشحونة بالترقب، وصافرة الحكم علي القحطاني تضبط إيقاع اللعب المندفع. ومع مرور الدقائق، بدأ الضغط الأهلاوي يزداد، مما أجبر مدافعي الفتح على ارتكاب الأخطاء، وهو ما تجلى في الدقيقة الخامسة والعشرين عندما تلقى لاعب الفتح عبدالعزيز السويلم بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن لإيقاف زحف الهجوم الأخضر.
لم يتأخر العقاب الأهلاوي كثيراً، فبعد دقيقتين فقط من الإنذار، وتحديداً في الدقيقة 27، انبرى القناص إيفان توني لتنفيذ ركلة جزاء احتسبها الحكم بعد عرقلة واضحة داخل المنطقة. وببرود إنجليزي معهود، وضع توني الكرة في الشباك معلناً عن الهدف الأول، لتنفجر مدرجات جدة فرحاً. لكن الفرحة لم تكتمل تماماً في الشوط الأول، إذ تلقى يايسله ضربة موجعة في الدقيقة 32 بخروج "المحرك" فرانك كيسيه بداعي الإصابة، ليحل مكانه ماتيوس جونسالفيس، مما أحدث تغييراً اضطرارياً في شكل خط الوسط الأهلاوي قبل الذهاب لغرف الملابس.
انتفاضة الفتح ورد الفعل السريع
مع بداية الشوط الثاني، دخل الفتح بوجه مغاير تماماً، رافضاً الاستسلام لواقع التأخر. وفي الدقيقة 50، ومن جملة تكتيكية رائعة، مرر ماتياس فارجاس كرة سحرية وضعت سفيان بن دبكة في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك الأهلاوية، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. هذا الهدف أشعل فتيل الإثارة، ودفع مدرب الفتح جوزيه جوميز لإجراء تبديلات هجومية مزدوجة في الدقيقة 56 بدخول فهد الزبيدي وزايدو يوسف بدلاً من ويسلي ديلجادو ومحمد الصحيحي، في محاولة لخطف نقاط المباراة كاملة.
استمر التعادل سيد الموقف، والتوتر يزداد في كل كرة مشتركة، حتى جاءت الدقيقة 76 التي كانت نقطة التحول الكبرى. الأهلي يحصل على ركلة جزاء ثانية، والأنظار تتجه مجدداً نحو إيفان توني. وبذات الهدوء والدقة، سدد توني الكرة في المرمى محرزاً هدفه الشخصي الثاني وهدف التقدم للأهلي، مما أعاد الروح لزملائه وللجماهير التي لم تتوقف عن المساندة. زاد الفتح من اندفاعه البدني، مما تسبب في حصول ماتياس فارجاس على بطاقة صفراء في الدقيقة 78، لتبدأ بعدها سلسلة من التبديلات من كلا الطرفين لتأمين النتيجة أو محاولة التعديل.
رصاصة الرحمة وهاتريك تاريخي
في الدقائق العشر الأخيرة، تحول الملعب إلى ساحة للمناورة المدربين. يايسله قرر إخراج النجم رياض محرز في الدقيقة 84 لإعطاء فرصة للشاب صالح أبو الشامات، وهو التبديل الذي أثبت عبقرية المدرب الألماني لاحقاً. الفتح من جانبه رمى بكل أوراقه بدخول عبدالله العنيزي وسطام التمبكتي، لكن الدفاع الأهلاوي كان سداً منيعاً أمام كل المحاولات. ومع دخول المباراة في وقتها المبدد، وتحديداً في الدقيقة 90+1، انطلق صالح أبو الشامات بكرة عرضية متقنة، ارتقى لها إيفان توني ببراعة ليضعها في الشباك، مكملاً "الهاتريك" الشخصي ومطلقاً رصاصة الرحمة على آمال الفتح في العودة.
بهذا الهدف الثالث، أطلق الحكم علي القحطاني صافرة النهاية بعد 96 دقيقة من الإثارة، معلناً فوز الأهلي المستحق. الإحصائيات تعكس تفوقاً ميدانياً للأهلي الذي رفع رصيده إلى 72 نقطة في المركز الثالث، معززاً موقعه في المربع الذهبي، بينما تجمد رصيد الفتح عند 33 نقطة في المركز الثاني عشر. لقد كان توني هو "العلامة الفارقة" في هذه الليلة، حيث لم يكتفِ بتسجيل الأهداف، بل كان محطة هجومية أرهقت دفاعات الخصم طوال اللقاء.
الخلاصة: شخصية البطل تظهر في جدة
أثبتت هذه المباراة أن الأهلي يمتلك "شخصية البطل" القادرة على التعامل مع تقلبات اللعب، فبالرغم من صدمة التعادل المبكر في الشوط الثاني وخروج كيسيه المؤثر، إلا أن الفريق حافظ على توازنه. التبديلات التي أجراها يايسله، وخاصة دخول أبو الشامات الذي صنع الهدف الثالث، تؤكد أن دكة بدلاء "الراقي" جاهزة دائماً لصنع الفارق. في المقابل، قدم الفتح مباراة تكتيكية محترمة، لكنه اصطدم بتألق فردي استثنائي من إيفان توني الذي استحق نجومية اللقاء بلا منازع، تاركاً جماهير الأهلي تغادر الملعب وهي تتغنى باسمه وبثلاثية ستبقى طويلاً في ذاكرة هذا الموسم.


