سطوة "النمور" في بريدة.. الاتحاد يروض "السكري" بذكاء تكتيكي رفيع
في ليلة من ليالي دوري روشن السعودي التي لا تُنسى، وتحت أضواء ملعب نادي التعاون ببريدة، شهدت الجماهير فصلاً جديداً من فصول الإثارة الكروية. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت صراعاً على الهيبة والمراكز المتقدمة بين صاحب الأرض "السكري" الساعي لتثبيت أقدامه في المربع الذهبي، وبين "العميد" القادم من جدة برغبة جامحة في استعادة كبريائه. وبصافرة الحكم شكري الحنفوش، انطلقت الملحمة التي انتهت بتفوق اتحادي صريح بنتيجة هدفين دون رد، في مباراة كان عنوانها الأبرز: "النجاعة الهجومية تهزم الاستحواذ السلبي".
أجواء ما قبل المعركة: ترقب في معقل السكري
كانت الأجواء في بريدة مشحونة بالترقب؛ فالمدرجات التي اكتست بألوان التعاون والاتحاد رسمت لوحة فنية تعكس قيمة هذه المواجهة. دخل المدرب بريكليس تشاموسكا اللقاء معتمداً على توازن فريقه وقدرته على السيطرة، بينما كان البرتغالي سيرجيو كونسيساو يدرك أن الفوز في هذا الملعب الصعب يتطلب انضباطاً تكتيكياً عالياً واستغلالاً لأنصاف الفرص. التوقعات كانت تشير إلى مباراة متكافئة، لكن الواقع على العشب الأخضر كان يحمل سيناريو مغايراً تماماً، حيث قرر "النمور" أن تكون لهم الكلمة العليا منذ البداية.
الشوط الأول: لدغة "عوار" تفتتح المهرجان
انطلقت المباراة بإيقاع سريع، حيث حاول التعاون فرض أسلوبه من خلال تمريرات قصيرة وبناء هادئ من الخلف، ووصلت نسبة استحواذهم في المجمل إلى 58%، لكن الاتحاد كان كالأفعى التي تنتظر اللحظة المناسبة لللدغ. وفي الدقيقة 19، ومن هجمة منظمة اتسمت بالسرعة والدقة، أرسل ماريو ميتاج تمريرة حاسمة وضعت النجم الجزائري حسام عوار في موقف مثالي، فلم يتوانَ الأخير عن إسكان الكرة الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي أشعل مدرجات الاتحاد وأربك حسابات تشاموسكا.
حاول التعاون العودة سريعاً، وضغط بكل ثقله مستفيداً من تحركات محمد الكويكبي، إلا أن الدفاع الاتحادي بقيادة أحمد شراحيلي كان بالمرصاد. ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، احتدم الصراع البدني في وسط الملعب، مما اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه المخضرم فابينهو في الدقيقة 45+1، لينتهي الشوط بتقدم الضيوف بهدف نظيف وسط حيرة تعاونية من ضياع الفرص.
الشوط الثاني: القناص النصيري يحسم الجدل
ومع بداية الشوط الثاني، توقع الجميع انتفاضة تعاونية، لكن الاتحاد باغتهم بضربة قاضية في الدقيقة 52. هذه المرة لعب حسام عوار دور صانع الألعاب، حيث قدم تمريرة سحرية للمهاجم المغربي يوسف النصيري، الذي أثبت علو كعبه وحسه التهديفي العالي بإضافة الهدف الثاني. هذا الهدف كان بمثابة "رصاصة الرحمة" التي أضعفت معنويات لاعبي التعاون، رغم محاولاتهم المستمرة للوصول إلى مرمى الاتحاد.
التعاون سدد 17 تسديدة طوال المباراة، لكن 3 فقط منها كانت على المرمى، وهو ما يعكس الرعونة أمام الشباك وقوة التنظيم الدفاعي للاتحاد. في المقابل، كان الاتحاد نموذجاً في المثالية التكتيكية؛ حيث سدد 3 تسديدات فقط طوال اللقاء، نجح في تحويل اثنتين منها إلى أهداف، محققاً نسبة نجاح مذهلة تعكس قيمة المهاجمين الذين يمتلكهم كونسيساو.
صراع البطاقات وتأثير التبديلات
شهدت الدقيقة 60 حصول مدافع التعاون أندريه جيروتو على بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، مما زاد من الضغوط على دفاعات أصحاب الأرض. ومع مرور الوقت، بدأ المدربان في إجراء التغييرات؛ فدفع كونسيساو في الدقيقة 81 بكل من فيصل الغامدي واحمد الجليدان بدلاً من روجر فيرنانديز وأحمد شراحيلي، لتأمين وسط الملعب والحفاظ على النتيجة.
وفي الدقائق الأخيرة، حاول تشاموسكا إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر إشراك فهد الرشيدي وسيف رجب في الدقيقة 85، لكن التنظيم الاتحادي كان سداً منيعاً. ولم تخلُ اللحظات الأخيرة من التوتر، حيث نال عوض الناشري بطاقة صفراء في الدقيقة 87. وفي مشهد غريب، دخل عبد العزيز علي البيشي في الدقيقة 90 ليخرج بعدها بثلاث دقائق فقط ويحل مكانه أحمد الغامدي، في تغييرات تكتيكية استهدفت استهلاك ما تبقى من وقت وضمان النقاط الثلاث.
التحليل التكتيكي: حينما تتحدث الفعالية
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن التعاون تفوق في كل شيء إلا في التسجيل؛ فقد مرر لاعبو السكري 515 تمريرة بدقة وصلت إلى 87%، وحصلوا على 9 ركنيات مقابل ركنية واحدة فقط للاتحاد. هذه الأرقام تؤكد أن الاستحواذ لا يعني دائماً الفوز، فالاتحاد الذي اكتفى بـ 42% من الاستحواذ عرف كيف يغلق المساحات وينطلق في مرتدات قاتلة. كان دور حسام عوار محورياً، ليس فقط بتسجيله هدفاً وصناعته لآخر، بل بقدرته على ربط الخطوط وتحمل الضغط في وسط الملعب.
الخاتمة: النمور تستعيد الهيبة
بهذا الانتصار الثمين، رفع الاتحاد رصيده إلى 51 نقطة، ليقفز خطوة هامة في جدول الترتيب ويضيق الخناق على فرق الصدارة، معوضاً سلسلة من النتائج المتذبذبة في الجولات الماضية. أما التعاون، فرغم الأداء الجميل والسيطرة الميدانية، إلا أن الخسارة جمدت رصيده عند 49 نقطة، لتكون هذه المباراة درساً قاسياً في أهمية الحسم أمام المرمى. غادرت جماهير الاتحاد الملعب وهي تتغنى بـ "نمورها" الذين عرفوا كيف يروضون "السكري" في عقر داره، مؤكدين أن الشخصية القوية تظهر دائماً في المواعيد الكبرى.


