صراع العاصمة والأحساء ينتهي باقتسام النقاط: الشباب والفتح في ليلة الدراما والتعادل
تحت أضواء ملعب اس اتش جي ارينا المتلألئة في قلب الرياض، حبست الجماهير أنفاسها في ليلة كروية لم تخلُ من الإثارة والندية، حيث استضاف نادي الشباب نظيره الفتح في مواجهة ضمن منافسات دوري روشن السعودي. لم تكن المباراة مجرد صراع على ثلاث نقاط، بل كانت معركة تكتيكية بين عقلين كرويين خبيرين؛ نور الدين زكري الذي يسعى لترسيخ هوية "الليوث"، وجوزيه جوميز الذي يطمح للعودة بـ "النموذج" إلى سكة الانتصارات. وانتهى اللقاء بتعادل إيجابي بهدف لمثله، في مباراة شهدت تقلبات درامية، من ركلة جزاء محتسبة بتقنية الفيديو إلى هدف عكسي غيّر مجرى النقاط.
هدوء حذر وافتتاحية ملتهبة
انطلقت صافرة الحكم أحمد الرميخاني لتعلن بداية صراع تكسير العظام. منذ الدقائق الأولى، ظهر واضحاً أن الحذر هو سيد الموقف، إلا أن الالتحامات البدنية لم تتأخر. في الدقيقة التاسعة، اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب الفتح سعيد خالد باعطيه بعد تدخل قوي لتعطيل هجمة شبابية واعدة، مما أعطى مؤشراً على أن المباراة ستكون بدنية بامتياز. حاول الشباب السيطرة على منتصف الملعب مستفيداً من عاملي الأرض والجمهور، حيث بلغت نسبة استحواذهم الإجمالية في المباراة 59%، لكن دفاع الفتح كان منظماً للغاية تحت قيادة مروان سعدان.
في الدقيقة 33، اشتعلت المدرجات اعتراضاً بعد حصول لاعب الشباب محمد فؤاد الثاني على بطاقة صفراء، لتبدأ بعدها اللحظة الأكثر إثارة في الشوط الأول. ففي الدقيقة 35، توقف اللعب فجأة، واتجه الحكم أحمد الرميخاني إلى شاشة تقنية الفيديو (VAR) لمراجعة لقطة مثيرة للجدل داخل منطقة جزاء الشباب. ساد الصمت أرجاء الملعب، وبعد ترقب دام دقيقة، أشار الحكم إلى نقطة الجزاء وسط فرحة عارمة من دكة بدلاء الفتح.
براعة بن دبكة وصدمة الشباب
تقدم النجم الجزائري سفيان بن دبكة لتنفيذ ركلة الجزاء في الدقيقة 36. وببرود أعصاب يُحسد عليه، وضع الكرة في الشباك معلناً تقدم الفتح بالهدف الأول. هذا الهدف أربك حسابات نور الدين زكري، الذي ظل يوجه لاعبيه بحدة من على خط التماس، محاولاً إيجاد ثغرة في جدار الفتح الدفاعي الذي شتت 28 كرة من مناطق الخطر طوال اللقاء. لينتهي الشوط الأول بتقدم الضيوف بهدف نظيف، وسط تساؤلات حول قدرة الليوث على العودة.
تغييرات زكري والمنعطف الدرامي
مع بداية الشوط الثاني، لم ينتظر نور الدين زكري كثيراً، فأجرى تبديله الأول بدخول فواز الصقور بدلاً من محمد فؤاد الثاني لإعطاء حيوية أكبر للجهة اليمنى. ضغط الشباب بكل ثقله، وتنوعت الهجمات بين كرات عرضية وصلت إلى 23 عرضية، ومحاولات اختراق من العمق. في المقابل، حاول جوميز تعزيز هجومه بدخول محمد الصحيحي بدلاً من فهد الزبيدي في الدقيقة 59 للحفاظ على الضغط العالي.
وصلت المباراة إلى ذروة إثارتها في الدقيقة 65، حين دفع مدرب الشباب بورقتين هجوميتين دفعة واحدة؛ بدخول اوناي هيرنانديز وهمام الهمامي بدلاً من جوشوا برونهيل وعلي عزايزة. هذا الضغط المتواصل أسفر عن لحظة لم يكن يتوقعها أكثر المتشائمين من جمهور الفتح؛ ففي الدقيقة 74، وأثناء محاولة دفاعية لتشتيت كرة عرضية خطيرة، أخطأ المدافع مروان سعدان في تقدير الكرة ليضعها في مرماه (هدف عكسي)، معلناً تعادل الشباب وسط انفجار الفرحة في مدرجات "الليث".
صراع الأمتار الأخيرة وبسالة الدفاع
بعد هدف التعادل، تحولت المباراة إلى سجال مفتوح. الشباب يطمع في الفوز والفتح يدافع عن نقطة ثمينة. في الدقيقة 67، تلقى محمد الشويرخ بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن، مما عكس التوتر المتزايد في الدقائق الأخيرة. حاول جوميز استعادة التوازن عبر سلسلة من التبديلات في الدقيقة 90، حيث دفع بكل من علي المسعود، ويسلي ديلجادو، وسطام محمود التمبكتي لتأمين المناطق الدفاعية وإضاعة الوقت القانوني، واختتمها بدخول عثمان العثمان بدلاً من صاحب الهدف بن دبكة في الوقت بدل الضائع.
رغم أن الشباب سدد 12 تسديدة، منها 5 على المرمى، إلا أن تألق حارس الفتح واستبسال خط دفاعه حال دون تسجيل هدف الفوز. الإحصائيات أظهرت تفوقاً شبابياً في التمريرات بـ 419 تمريرة وبدقة وصلت إلى 86.6%، لكن الفتح كان نداً قوياً بمرتداته السريعة التي شكلت خطورة دائمة، حيث تساوى الفريقان في إجمالي التسديدات بـ 12 لكل منهما.
تحليل تكتيكي: الاستحواذ مقابل التنظيم
كانت المباراة درساً في كيفية صمود الفريق المنظم أمام الفريق المستحوذ. نجح الفتح في امتصاص حماس الشباب، واعتمد على تقارب الخطوط، مما جعل مهمة صناع لعب الشباب صعبة للغاية. تبديلات نور الدين زكري كانت هجومية بحتة، ونجحت في زيادة الضغط الذي أدى في النهاية للهدف العكسي، بينما كانت تبديلات جوميز دفاعية تهدف للخروج بأقل الأضرار بعد ضياع التقدم.
خاتمة: نقطة لكل فريق وطموحات مستمرة
بإطلاق أحمد الرميخاني صافرة النهاية بعد 98 دقيقة من الإثارة، اقتسم الفريقان نقاط المباراة. هذا التعادل رفع رصيد كل من الشباب والفتح إلى 32 نقطة، ليظلا متجاورين في وسط جدول الترتيب (المركزين 11 و12). بالنسبة للشباب، تعتبر النتيجة بطعم الخسارة نظراً للسيطرة الميدانية، أما للفتح، فهي نقطة ثمينة من ملعب صعب، تؤكد أن الفريق يمتلك الشخصية القوية للوقوف أمام الكبار. رحل الفتح بنقطة، وبقي الشباب يبحث عن حلول لترجمة سيطرته إلى انتصارات في القادم من المواعيد.


