تعادل بطعم الندم: تبوك تشهد ملحمة كروية مثيرة بين نيوم والحزم
تحت أضواء استاد مدينة الملك خالد الرياضية بتبوك، وفي ليلة امتزجت فيها طموحات الشمال بإصرار أبناء الرس، حبست جماهير دوري روشن السعودي أنفاسها طوال تسعين دقيقة من الإثارة والتشويق. لم تكن مواجهة نيوم والحزم مجرد مباراة في جدول الدوري، بل كانت صراعاً تكتيكياً رفيع المستوى بين مدرستين تدريبيتين مختلفتين، انتهى باقتسام النقاط بعد تعادل إيجابي بهدف لمثله، في لقاء شهد تقلبات دراماتيكية جعلت من الصعب التنبؤ بهويّة الفائز حتى صافرة النهاية التي أطلقها الحكم عبدالله الحربي.
بداية عاصفة وإيقاع سريع
دخل أصحاب الأرض، فريق نيوم، المباراة وعينهم على النقاط الثلاث لتعزيز موقعهم في المنطقة الدافئة، وبدا واضحاً منذ الدقائق الأولى أن المدرب الفرنسي كريستوف جالتييه قد أعد العدة للهجوم الضاغط. لم يمهل نيوم ضيوفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقهم، ففي الدقيقة السابعة ومن جملة تكتيكية منظمة، أرسل أمادو كوني تمريرة حاسمة وضعت النجم الجزائري سعيد بن رحمة في مواجهة المرمى، ليضعها الأخير ببراعة في الشباك معلناً تقدم نيوم بهدف مبكر أشعل المدرجات.
هذا الهدف المبكر أعطى نيوم ثقة كبيرة، حيث سيطر الفريق على وسط الملعب بنسبة استحواذ وصلت إلى 56%، معتمداً على تدوير الكرة بدقة بلغت 84.92%. في المقابل، حاول الحزم بقيادة مدربه التونسي جلال قادري امتصاص حماس أصحاب الأرض، والاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة التي كان يقودها المخضرم عمر السومة، لكن دفاع نيوم بقيادة ناثان زيزي كان بالمرصاد لكل المحاولات في هذا الشوط.
دراما ركلة الجزاء ومنعطف المباراة
بينما كان الشوط الأول يلفظ أنفاسه الأخيرة، وفي الدقيقة الثالثة من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، حصل نيوم على فرصة ذهبية لقتل المباراة إكلينيكياً عندما احتسب الحكم ركلة جزاء. انبرى للنجم الفرنسي ألكسندر لاكازيت للكرة، والجميع في الملعب كان يتوقع تعزيز النتيجة، إلا أن لاكازيت أهدر الركلة وسط ذهول جالتييه والجماهير الحاضرة. هذا الضياع لم يكن مجرد فرصة ضائعة، بل كان نقطة التحول التي منحت الحزم قبلة الحياة للعودة في الشوط الثاني.
عودة "حزم الصمود" وإثارة الـ VAR
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل الحزم بروح مغايرة تماماً، وبدا أن تعليمات جلال قادري بدأت تؤتي ثمارها. وفي الدقيقة 58، ومن كرة عرضية متقنة أرسلها لورينتز روزير، ارتقى عبدالله الشنقيطي فوق الجميع ليسكن الكرة الشباك، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. لم تدم فرحة نيوم بالسيطرة طويلاً، حيث وجدوا أنفسهم أمام منافس شرس يرفض الاستسلام.
الإثارة وصلت إلى ذروتها في الدقيقة 61، عندما نجح لاكازيت في هز الشباك مجدداً، ظناً منه أنه كفر عن خطأ ركلة الجزاء، لكن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف بداعي وجود مخالفة، مما زاد من توتر الأعصاب داخل أرضية الميدان. هذا القرار انعكس على أداء اللاعبين، حيث بدأت البطاقات الملونة في الظهور، فنال ناثان زيزي وعبدالملك العييري بطاقات صفراء من جانب نيوم، بينما حصل عبد الرحمن الخيبري وأحمد الشمراني على إنذارات من جانب الحزم نتيجة التدخلات القوية لقطع الكرات.
صراع المدربين والأنفاس الأخيرة
في الربع الأخير من المباراة، بدأت معركة التبديلات، حيث دفع جالتييه بـ محمد البريك وأحمد العنزي بدلاً من العييري ولاكازيت في الدقيقة 77، في محاولة لتنشيط الجبهة اليمنى وتأمين وسط الملعب. من جهته، رد قادري بسلسلة تبديلات دفاعية وهجومية، كان أبرزها دخول ميجيل كارفاليو وأحمد الشمراني، ثم دفع في اللحظات الأخيرة بـ سلطان تنكر وأمادو ديانج بدلاً من باه والسومة لتأمين نقطة التعادل الغالية خارج الديار.
وعلى الرغم من محاولات نيوم المتكررة، حيث سدد الفريق 7 كرات على المرمى من إجمالي 10 محاولات، إلا أن استبسال دفاع الحزم ومن خلفهم حارس المرمى حال دون تسجيل هدف الفوز. الإحصائيات أظهرت تفوقاً نسبياً لنيوم في التمريرات (451 تمريرة مقابل 384 للحزم)، لكن الفعالية الهجومية للحزم كانت حاضرة بـ 12 تسديدة إجمالية، مما يعكس الندية الكبيرة التي شهدها اللقاء.
خاتمة: تعادل يكرس التكافؤ
عندما أطلق عبدالله الحربي صافرة النهاية، كانت ملامح الحسرة واضحة على وجوه لاعبي نيوم الذين شعروا أنهم فرطوا في فوز كان في المتناول، خاصة مع ركلة الجزاء الضائعة والهدف الملغي. بهذه النتيجة، رفع نيوم رصيده إلى 40 نقطة مستقراً في المركز الثامن، بينما وصل الحزم إلى النقطة 38 في المركز التاسع.
لقد كانت ليلة كروية بامتياز في تبوك، أثبتت أن دوري روشن لا يعترف بالفوارق النظرية، وأن العزيمة التكتيكية قادرة على قلب الموازين. خرج الحزم بنقطة ثمينة من معقل المنافس، بينما سيتعين على نيوم مراجعة حساباته الهجومية قبل الجولات القادمة، ليبقى الصراع مشتعلاً في وسط جدول الترتيب بين فرق تطمح دائماً للأفضل.


