جوشوا كينج يروض جبال أبها.. الخليج يعود بانتصار ثمين من قلب "المحالة"
في ليلةٍ امتزج فيها ضباب مدينة أبها ببرودة التوقعات وصخب المدرجات، احتضن استاد مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية مواجهةً لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت فصلاً من فصول الإصرار في دوري روشن السعودي. دخل "فارس الجنوب" نادي ضمك اللقاء وهو يبحث عن طوق نجاة يعزز موقعه في جدول الترتيب، بينما حلّ "دانة سيهات" نادي الخليج ضيفاً ثقيلاً بطموحات لا تحدها الجبال، يقوده فكر تكتيكي متزن تحت إمرة المدرب جوستافو بويت.
هدوء ما قبل العاصفة وافتتاح التسجيل
بدأت المباراة بصافرة الحكم الدولي خالد التريس، وسط حذر شديد خيم على أداء الفريقين في الدقائق الأولى. كان مدرب ضمك، فابيو كاريلى، يدرك أن أي هفوة دفاعية أمام سرعات لاعبي الخليج قد تكلفه الكثير، لذا اعتمد على تقارب الخطوط ومحاولة السيطرة على وسط الميدان. إلا أن الخليج كان يمتلك مخططاً آخر؛ ففي الدقيقة التاسعة والعشرين، ومن هجمة منظمة اتسمت بالدقة والسرعة، أرسل باولو فرنانديز تمريرة حاسمة اخترقت حصون الدفاع الضمكاوي، لتجد القناص جوشوا كينج في الموعد، والذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك معلناً عن الهدف الأول للضيوف، ومشعلاً فتيل الحماس في دكة بدلاء الخليج.
لم يمر الهدف مرور الكرام على لاعبي ضمك الذين حاولوا الرد سريعاً، لكن التوتر بدأ يتسلل إلى الأعصاب. وشهدت الدقائق الأخيرة من الشوط الأول صراعاً بدنياً عنيفاً، اضطر معه الحكم خالد التريس لإشهار البطاقة الصفراء في وجه لاعب الخليج ماجد كنبه في الدقيقة 32، ثم زميله محمد خبراني في الدقيقة 37. وقبل أن يطلق الحكم صافرة نهاية الشوط، بلغت الإثارة ذروتها بمشادة كروية أسفرت عن بطاقتين صفراوين في الدقيقة 43، نالهما صاحب الهدف جوشوا كينج من جانب الخليج، وطارق عبدالله من جانب ضمك، لينتهي الشوط الأول بتقدم الخلجاويين وسط أجواء مشحونة بالترقب.
شوط المدربين ومعركة التبديلات
مع انطلاقة الشوط الثاني، دخل ضمك بضغط عالٍ محاولاً استغلال عاملي الأرض والجمهور، بينما تراجع الخليج قليلاً لتأمين الدفاع والاعتماد على المرتدات. أحس جوستافو بويت ببدء تراجع المجهود البدني، فقام في الدقيقة 59 بسحب جيورجوس ماسوراس وإشراك منصور حمزي لضخ دماء جديدة في الرواق الهجومي. وفي المقابل، رمى كاريلى بكل أوراقه في الدقيقة 65، حيث أجرى تبديلاً مزدوجاً بدخول نواف الصعدي وضاري العنزي بدلاً من عبدالرحمن العبيد وجوناثان أوكيتا، في محاولة يائسة لفك شفرات الدفاع الخلجاوي الحصين.
استمر السجال التكتيكي، وزادت حدة المنافسة في وسط الملعب، مما أجبر الحكم على التدخل مجدداً ومنح بطاقة صفراء للنجم اليوناني كوستاس فورتونيس في الدقيقة 74، والذي غادر الملعب بعدها بدقيقتين تاركاً مكانه للاعب عريف الحيدر. الخليج واصل سياسة التدوير الذكي، حيث أشرك صالح العمري بدلاً من صانع الهدف الأول باولو فرنانديز في الدقيقة 77، مما منح الفريق توازناً دفاعياً وهجومياً منع ضمك من تشكيل خطورة حقيقية على المرمى.
رصاصة الرحمة وتأكيد التفوق
في الدقائق العشر الأخيرة، اندفع ضمك بكل ثقله نحو الهجوم، وأجرى كاريلى تبديلات هجومية أخرى بدخول يحيي النجعي وهزاع الغامدي في الدقيقة 81، لكن دفاع الخليج كان كالطود العظيم أمام كل المحاولات. وبينما كان الجميع ينتظر صافرة النهاية أو هدف تعادل قاتل، ومن هجمة مرتدة نموذجية في الدقيقة التسعين، مرر بيدرو ريبوكو كرة متقنة وضعت جوشوا كينج في مواجهة المرمى، ليوقع الأخير على هدفه الشخصي الثاني ورصاصة الرحمة التي أنهت آمال أصحاب الأرض تماماً.
انتهت المباراة بفوز صريح للخليج بهدفين نظيفين، في مباراة أثبتت علو كعب المدرب بويت في إدارة اللحظات الحرجة. الخليج بهذا الانتصار رفع رصيده إلى 37 نقطة، مستقراً في المركز العاشر ومؤكداً استحقاقه للبقاء في مناطق الأمان، بينما تجمد رصيد ضمك عند 26 نقطة في المركز الخامس عشر، ليدخل نفقاً مظلماً في صراعه من أجل البقاء، حيث لم يشفع له الاستحواذ ولا المحاولات الهجومية أمام نجاعة "الملك" جوشوا كينج وصلابة المنظومة الخلجاوية.
خاتمة: دروس من قلب الجنوب
لقد كانت مباراة "المحالة" تجسيداً حقيقياً لكرة القدم التي تعترف بالنتائج لا بالسيطرة العقيمة. الخليج عرف كيف يمتص حماس الخصم، وكيف يضرب في الوقت القاتل، مستفيداً من تألق مهاجمه النرويجي وتمركز مدافعيه. أما ضمك، فعليه مراجعة حساباته سريعاً، فالدوري لا ينتظر أحداً، والنقاط التي تضيع على ملعبه قد تكون هي الفارق بين البقاء والرحيل في نهاية الموسم. خرجت جماهير الخليج منتشية بانتصار خارج الديار، بينما غادر عشاق ضمك الملعب وهم يتساءلون عن الحلول الغائبة لفريقهم الذي يمتلك الأسماء لكنه يفتقد للنجاعة.


