ثلاثية زرقاء في الرس: الهلال يواصل عزفه المنفرد ويُسقط الحزم في ليلة تألق البدلاء
في ليلةٍ تجلت فيها زرقة العاصمة في سماء "الرس"، واصل قطار الهلال انطلاقه المظفر في دوري روشن السعودي، مبرهناً على أنه لا يقبل بغير الصدارة بديلاً. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت استعراضاً للقوة، وسيمفونية كروية قادها المدرب الإيطالي المحنك سيمون إنزاجي، لينتهي اللقاء بفوز عريض للضيوف بثلاثية نظيفة، وسط أجواء جماهيرية صاخبة غصّت بها مدرجات ملعب نادي الحزم، الذي شهد فصولاً من الإثارة والندية قبل أن يفرض "الزعيم" كلمته الأخيرة.
هدير "الزعيم" المبكر وصدمة أصحاب الأرض
مع إطلاق الحكم نيكولا دايانوفيتش صافرة البداية، لم يمهل الهلال مضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه. كانت الأجواء في ملعب الحزم مشحونة بالترقب، فصاحب الأرض بقيادة المدرب جلال قادري دخل اللقاء وعينه على إحداث مفاجأة تعزز موقعه في المنطقة الدافئة من الجدول. لكن الرياح الهلالية هبت باكراً جداً؛ ففي الدقيقة التاسعة، ومن تمريرة حريرية أرسلها "ضابط الإيقاع" محمد كنو، وجدت الكرة طريقها نحو القناص الفرنسي كريم بنزيما، الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي أخرس مدرجات الرس وأشعل فتيل الفرح في المعسكر الأزرق.
حاول الحزم لملمة جراحه بعد الهدف المبكر، واعتمد جلال قادري على تحركات عمر السومة وفابيو مارتينز لتهديد مرمى الهلال، إلا أن التنظيم الدفاعي لرفاق حسان تمبكتي كان سداً منيعاً. الشوط الأول شهد صراعاً بدنياً كبيراً في وسط الميدان، حيث حاول الحزم مجاراة سرعة الهلال، لكن الخبرة الفنية كانت تميل بوضوح لصالح الضيوف الذين أداروا الدقائق بذكاء، منهين النصف الأول بتقدم مستحق وضع الضغط بالكامل على كاهل أصحاب الأرض.
الشوط الثاني: صراع البطاقات وتدخل "الفار"
دخل الحزم الشوط الثاني بروح مغايرة، محاولاً الضغط العالي لاستعادة التوازن، لكن هذا الاندفاع كلفهم الكثير من التدخلات العنيفة. ففي الدقيقة 53، نال الياس موكوينا بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن، وتبعه زميله عبد الرحمن الدخيل ببطاقة مماثلة في الدقيقة 61. هذه التوترات الفردية أثرت على سلاسة اللعب الجماعي للحزم، في وقت كان فيه إنزاجي يراقب المشهد بهدوء، يخطط لضربة القاضية عبر دكة بدلاء مدججة بالنجوم.
في الدقيقة 65، أجرى إنزاجي تبديلاً ثلاثياً غيّر ملامح المباراة تماماً؛ حيث دفع بالبرازيلي الشاب ماركوس ليوناردو، وسلطان مندش، وعبد الكريم دارسي، بدلاً من بنزيما وسالم الدوسري ومتعب الحربي. هذا التغيير ضخ دماءً جديدة في عروق الهجوم الهلالي. وفي الدقيقة 70، حبست الجماهير أنفاسها حين سجل سلطان مندش هدفاً بدا وكأنه الحسم، لكن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف بداعي وجود مخالفة، مما أعاد الأمل مؤقتاً لجمهور الحزم وجعل الدقائق المتبقية على صفيح ساخن.
البدلاء يصنعون الفارق ورصاصة الرحمة
مع اقتراب المباراة من نهايتها، زاد التوتر في صفوف الحزم، وتلقى سلطان تنكر بطاقة صفراء ثالثة لفريقه في الدقيقة 68. ورغم التبديلات العديدة التي أجراها جلال قادري بإشراك نواف الحبشي وميجيل كارفاليو ويوسف الشمري، إلا أن الهلال كان قد أحكم قبضته على مجريات اللعب. وفي الدقيقة 82، تجلت قيمة دكة البدلاء الهلالية؛ حيث انطلق سلطان مندش بكرة عرضية متقنة قابلها ماركوس ليوناردو بلمسة فنية رائعة سكنت الشباك، معززاً تقدم فريقه بالهدف الثاني ومحطماً طموحات الحزم في العودة.
ولم تكتفِ الماكينة الهلالية بهذا القدر؛ ففي الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، وتحديداً في الدقيقة الثالثة بعد التسعين، تحصل الهلال على ركلة جزاء انبرى لها الاختصاصي البرتغالي روبن نيفيس. وبكل هدوء وثقة، وضع نيفيس الكرة في المرمى مسجلاً الهدف الثالث، ليطلق رصاصة الرحمة على المباراة. وفي اللحظات الأخيرة، غادر عمر السومة أرض الملعب تاركاً مكانه لمحمد عيسى اليامي، في تبديل لم يغير من واقع الأمر شيئاً، ليطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوزاً هلالياً كاسحاً.
التحليل الفني: دهاء إنزاجي وصلابة الهلال
أثبتت المباراة أن سيمون إنزاجي يمتلك رفاهية لا تتوفر للكثيرين، وهي القدرة على تغيير جلد الفريق بالكامل دون التأثير على جودة الأداء. التبديلات التي أجراها في الدقيقة 65 لم تكن لمجرد الإراحة، بل كانت تكتيكية بحتة لاستغلال الإرهاق البدني لمدافعي الحزم. في المقابل، قدم الحزم مباراة شجاعة في حدود إمكانياته، لكن الفوارق الفردية والتركيز العالي للاعبي الهلال حسمت الموقف. إحصائياً، سيطر الهلال على الاستحواذ بنسبة كبيرة، وكان الأكثر وصولاً للمرمى، بينما عانى الحزم من كثرة الأخطاء التي أدت لثلاث بطاقات صفراء أثرت على اندفاع لاعبي الوسط.
خاتمة: الزحف نحو اللقب مستمر
بهذا الانتصار العريض، رفع الهلال رصيده إلى 74 نقطة، مواصلاً مطاردته الشرسة على قمة الترتيب، ومحافظاً على سجله خالياً من الهزائم في الدوري هذا الموسم، وهو إنجاز يعكس العقلية الانتصارية التي غرسها إنزاجي في لاعبيه. أما الحزم، فرغم الخسارة، فإنه يظل في المركز التاسع برصيد 38 نقطة، مدركاً أن مواجهة "الإعصار الأزرق" تتطلب أكثر من مجرد التنظيم الدفاعي. غادرت جماهير الهلال ملعب الرس وهي تتغنى بفريقها الذي لا يقهر، منتظرة الجولات القادمة لتأكيد أحقيتها بالتربع على عرش الكرة السعودية.


