ريمونتادا الأحساء: الفتح يستعيد كبرياءه ويفرض التعادل على طموح نيوم
في ليلة كروية حبست الأنفاس تحت أضواء ملعب ميدان تمويل الأولى بالأحساء، عاش عشاق دوري روشن السعودي فصلاً جديداً من فصول الإثارة والتشويق. لم تكن مجرد مباراة عادية بين الفتح وضيفه نيوم، بل كانت ملحمة تكتيكية وصراعاً على الكبرياء، انتهى بتقاسم النقاط في تعادل مثير بنتيجة 2-2، بعد مباراة تقلبت فيها الموازين ورفض فيها "نموذجي" الأحساء الاستسلام لواقع التأخر بهدفين، ليرسم لوحة من الإصرار والعزيمة أمام جماهيره الوفية.
بداية عاصفة وصدمة مبكرة في الأحساء
لم يمهل الضيوف أصحاب الأرض سوى دقيقتين فقط ليعلنوا عن نواياهم الهجومية الصريحة. ومع إطلاق الحكم ماجد الشمراني لصافرة البداية، وبينما كانت الجماهير لا تزال تأخذ أماكنها في المدرجات، استغل النجم سعيد بن رحمة هفوة دفاعية مبكرة ليسكن الكرة في الشباك الفتحاوية في الدقيقة الثانية، معلناً عن تقدم نيوم بهدف أشعل فتيل المباراة مبكراً. هذا الهدف المبكر أربك حسابات المدرب جوزيه جوميز، ومنح كتيبة المدرب كريستوف جالتييه ثقة كبيرة في السيطرة على مجريات اللعب خلال الدقائق الأولى.
حاول الفتح العودة سريعاً، لكن التوتر كان سيد الموقف، وهو ما تجلى في البطاقة الصفراء التي نالها اللاعب نايف مسعود في الدقيقة 36 نتيجة تدخل قوي لتعطيل هجمة مرتدة. اتسم الشوط الأول بصراع بدني كبير في وسط الملعب، حيث حاول نيوم تعزيز تقدمه عبر تحركات ألكسندر لاكازيت، بينما عانى الفتح من غياب اللمسة الأخيرة رغم محاولاته المتكررة لاختراق جدار نيوم الدفاعي الصلب، لينتهي الشوط الأول بتقدم الضيوف بهدف نظيف وسط أجواء من القلق خيمت على مدرجات الأحساء.
تقلبات دراماتيكية والرهان على البدلاء
مع انطلاقة الشوط الثاني، أجرى جوزيه جوميز تغييرات جذرية لإنقاذ الموقف، فدفع بالثنائي مراد باتنا وماتياس فارجاس مارتن بدلاً من عثمان العثمان ونايف مسعود. ولكن، وقبل أن تؤتي هذه التبديلات ثمارها، تلقت شباك الفتح ضربة ثانية موجعة. ففي الدقيقة 47، ومن هجمة منظمة، نجح علاء الحجي في إضافة الهدف الثاني لنيوم، ليصعب المهمة تماماً على أصحاب الأرض وتصبح النتيجة هدفين دون رد لصالح الضيوف.
لم يستسلم لاعبو الفتح، رغم الضغط العصبي الذي زاد بحصول فهد الزبيدي على بطاقة صفراء في الدقيقة 52. بدأت الماكينة الفتحاوية في الدوران، واستحوذ الفريق على الكرة بنسبة وصلت إلى 52%، وبدأ الضغط يولد الانفجار. وفي الدقيقة 66، ومن تمريرة حاسمة من البديل الناجح ماتياس فارجاس، أطلق المغربي مراد باتنا قذيفة لا ترد استقرت في شباك نيوم، ليعيد الروح للمدرجات ويقلص الفارق إلى 2-1. هذا الهدف غير مجرى المباراة تماماً، حيث تراجع نيوم للدفاع واعتمد جالتييه على التبديلات الدفاعية بخروج لاكازيت ومحمد البريك، محاولاً الحفاظ على التقدم.
روح "النموذجي" تفرض كلمتها في اللحظات الأخيرة
دخلت المباراة دقائقها العشر الأخيرة وهي في قمة الإثارة. وبينما كان الجميع يظن أن نيوم في طريقه لخطف النقاط الثلاث، كان لـ سفيان بن دبكه رأي آخر. وفي الدقيقة 85، استغل بن دبكه عرضية متقنة من فهد الزبيدي ليحولها برأسية بارعة إلى داخل الشباك، مفجراً بركان الفرح في ملعب الأحساء ومعلناً عن هدف التعادل القاتل. كانت لحظة تجسدت فيها روح العودة، حيث نجح الفتح في تحويل تأخره بهدفين إلى تعادل ثمين بفضل القراءة الفنية الموفقة للمدرب جوميز.
الدقائق المتبقية شهدت محاولات من الطرفين لخطف هدف الفوز، حيث بلغت إجمالي تسديدات الفتح 20 تسديدة مقابل 19 لنيوم، مما يعكس الشراسة الهجومية التي طغت على اللقاء. الحكم ماجد الشمراني أضاف عدة دقائق كوقت بدل ضائع شهدت تبديلات تكتيكية أخيرة، منها دخول خليفة الدوسري في صفوف نيوم لتأمين النقطة، حتى أطلق صافرته معلناً نهاية واحدة من أجمل مباريات الجولة بتعادل عادل ومنصف للفريقين.
تحليل تكتيكي: كيف تغيرت ملامح المباراة؟
كانت المباراة عبارة عن صراع تكتيكي رفيع المستوى بين المدرسة البرتغالية والفرنسية. تفوق كريستوف جالتييه في البداية من خلال استغلال سرعات سعيد بن رحمة والضغط العالي، لكنه تراجع بشكل مبالغ فيه في الشوط الثاني، خاصة بعد تبديلاته التي غلب عليها الطابع الدفاعي بخروج مفاتيح اللعب مثل لاكازيت. في المقابل، أثبت جوزيه جوميز شجاعة كبيرة بتبديلاته المبكرة، حيث كان لدخول مراد باتنا وماتياس فارجاس أثر السحر في تنشيط الجبهة الهجومية وزيادة الفاعلية على المرمى، حيث سدد الفتح 9 كرات على المرمى مقابل 6 فقط لنيوم.
الإحصائيات تظهر تقارباً كبيراً في الأداء، حيث بلغت دقة تمريرات الفتح 83.5% مقابل 83.2% لنيوم، مما يدل على جودة اللعب وبناء الهجمات من الطرفين. كما أن تفوق نيوم في الكرات الهوائية (6 مقابل 4) لم يشفع له أمام الإصرار الأرضي للاعبي الفتح الذين استغلوا المساحات في العمق الدفاعي للضيوف خلال الشوط الثاني بشكل مثالي.
خلاصة الملحمة: نقطة بطعم الفوز للفتح
بهذا التعادل، رفع نيوم رصيده إلى 41 نقطة ليحافظ على مركزه الثامن في وسط جدول الترتيب، بينما وصل الفتح إلى النقطة 33 في المركز الثاني عشر. ورغم أن التعادل قد لا يخدم طموحات الفريقين في التقدم السريع في سلم الترتيب، إلا أن المباراة كانت بمثابة رسالة قوية من الفتح بأنه فريق لا يموت بسهولة، خاصة على أرضه وبين جماهيره. أما نيوم، فقد تعلم درساً قاسياً في ضرورة الحفاظ على التركيز حتى الثواني الأخيرة، خاصة عندما يواجه فرقاً تمتلك خبرة "النموذجي". غادر الجمهور الملعب وهم يتحدثون عن قتالية بن دبكه ومهارة باتنا، في ليلة ستبقى طويلاً في ذاكرة هذا الموسم من دوري روشن.


