دراما بريدة: تعادل مثير يحبس الأنفاس بين النجمة والحزم في ليلة كروية صاخبة
تحت أضواء استاد مدينة الملك عبدالله الرياضية ببريدة، وفي ليلة تجسدت فيها كل معاني الإثارة والندية، شهد عشاق دوري روشن السعودي ملحمة كروية لم تبح بكامل أسرارها إلا مع صافرة النهاية. لم تكن مواجهة النجمة والحزم مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت صراعاً استراتيجياً محتدماً بين مدرستين تدريبيتين، انتهى باقتسام النقاط في تعادل إيجابي (2-2)، ليخرج كل فريق بنقطة قد تبدو ثمينة في حسابات البقاء والتقدم، لكنها تركت خلفها ألف علامة استفهام حول الفرص الضائعة والتقلبات الدراماتيكية التي عاشتها الجماهير في المدرجات.
بداية نارية وصدمة مبكرة
لم يكد الحكم خالد الاحمري يطلق صافرة البداية، حتى اشتعلت مدرجات بريدة بهدف مباغت صدم الضيوف. في الدقيقة الثالثة فقط، ومن جملة تكتيكية منظمة، أرسل علي جاسم تمريرة حاسمة وضعت المهاجم فيليبي كاردوسو في مواجهة المرمى، ليودعها الأخير الشباك معلناً تقدم النجمة بهدف مبكر جداً. هذا الهدف أشعل فتيل المباراة مبكراً وجعل مدرب الحزم، جلال قادري، يقف متأهباً على خط التماس، مطالباً لاعبيه بردة فعل سريعة تتناسب مع قيمة الفريق.
ردة الفعل لم تتأخر كثيراً، فبينما كان لاعبو النجمة يحتفلون بتقدمهم، كان للحزم رأي آخر. وفي الدقيقة الثامنة، ومن مجهود سخي من اللاعب سعود الراشد الذي قدم تمريرة "مقشرة"، ارتقى القناص السوري عمر السومة فوق الجميع، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر برأسية متقنة سكنت الشباك، معيداً الأمل لكتيبة الحزم ومثبتاً من جديد أنه الرقم الصعب في الخطوط الأمامية.
تقلبات الشوط الأول وصراع الأنفاس الأخيرة
استمر السجال بين الفريقين، حيث سيطر الحزم على مجريات اللعب بنسبة استحواذ بلغت 57%، محاولاً اختراق دفاعات النجمة المتكتلة. وفي الدقيقة 42، تكرر المشهد الإبداعي لسعود الراشد الذي صنع هدفه الثاني في المباراة، وهذه المرة لزميله عبد العزيز الضويحي الذي لم يتوانَ عن وضع الكرة في المرمى، ليقلب الحزم الطاولة ويتقدم بالنتيجة (2-1).
لكن كرة القدم لا تعرف المستحيل، وفي الوقت الذي كان فيه الجميع يستعد للتوجه لغرف الملابس، وفي الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع للشوط الأول، خطف ناصر عبدالله الهليل هدف التعادل القاتل للنجمة بعد تمريرة حاسمة من راكان الطليحي. هذا الهدف كان بمثابة حقنة أدرينالين للاعبي المدرب نيستور الماسترو، الذين دخلوا الاستراحة بمعنويات مرتفعة رغم الضغط الهجومي الكبير للحزم الذي سدد 15 تسديدة طوال المباراة مقابل 6 فقط للنجمة.
شوط المدربين ومعركة التبديلات
مع انطلاق الشوط الثاني، بدأت ملامح الصراع التكتيكي تزداد وضوحاً. أجرى نيستور الماسترو تبديلاً مبكراً بدخول جوجا رودريجيز بدلاً من نبيل دونجا لضبط إيقاع وسط الملعب. المباراة بدأت تأخذ طابعاً بدنياً عنيفاً، مما أجبر الحكم خالد الاحمري على إشهار البطاقات الصفراء للسيطرة على الأجواء، حيث نال راكان الطليحي إنذاراً في الدقيقة 58، تبعه توتر واضح في الدقائق الأخيرة أسفر عن بطاقات لـ سعود الراشد ولازارو والياس موكوينا.
حاول جلال قادري تنشيط هجومه في الدقيقة 64 بسلسلة تبديلات، حيث دفع بـ يوسف الشمري والياس موكوينا، ثم قرر سحب عمر السومة في الدقيقة 75 ليدفع بـ أمادو ديانج، في محاولة لخطف هدف الفوز. في المقابل، كان النجمة يدافع بضراوة، معتمداً على الهجمات المرتدة، وأشرك الماسترو دافيد تيجانيتش وعبدالله أحمد هوساوي لتأمين النقطة الغالية أمام سيل هجمات الحزم التي لم تتوقف.
تحليل فني: فعالية النجمة مقابل سيطرة الحزم
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن المباراة كانت غريبة في أطوارها؛ فالحزم كان الطرف الأكثر استحواذاً وخطورة، حيث سدد 4 كرات على المرمى من أصل 15 محاولة، بينما كان النجمة في غاية الفعالية، إذ سجل هدفين من أصل تسديدتين فقط على المرمى، وهو معدل نجاح مذهل بنسبة 100%. كما تفوق الحزم في الكرات العرضية (15 مقابل 7) والركلات الركنية (5 مقابل 1)، لكن الرعونة أمام المرمى وبسالة دفاع النجمة حالت دون خروج الحزم بالنقاط الثلاث.
التكتيك الدفاعي الذي طبقه النجمة اعتمد على تضييق المساحات، حيث قام الفريق بـ 12 عملية تشتيت للكرة، مما أحبط الكثير من محاولات فابيو مارتينز ورفاقه. ورغم أن الحزم كان الأكثر تمريراً بـ 429 تمريرة وبدقة وصلت إلى 85%، إلا أن البطء في التحضير أحياناً سمح للنجمة بالعودة والتنظيم الدفاعي.
خاتمة: نقطة بطعم الشهد وأخرى بطعم العلقم
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، كانت ملامح الرضا تظهر على وجه لاعبي النجمة الذين استطاعوا الصمود أمام إعصار الحزم الهجومي، بينما سادت حالة من الإحباط في معسكر الحزم الذي شعر بأن الفوز كان في المتناول. هذه النتيجة رفعت رصيد الحزم إلى 40 نقطة ليبقى في المناطق الدافئة بوسط الجدول، بينما لا يزال النجمة يصارع في ذيل الترتيب برصيد 14 نقطة، لكن هذا التعادل قد يكون الشرارة التي تعيد الروح للفريق في الجولات القادمة.
لقد كانت ليلة بريدة تجسيداً حقيقياً لجمال كرة القدم السعودية؛ تقلبات، أهداف مبكرة، عودة في النتيجة، وصراع بدني وتكتيكي استمر حتى الثانية الأخيرة، ليؤكد دوري روشن مرة أخرى أنه المسرح الأبرز للإثارة والتشويق في المنطقة.


