ملحمة بريدة: الأهلي يروض "ذئاب" التعاون في ليلة حبست الأنفاس
تحت أضواء ملعب نادي التعاون في بريدة، وفي ليلةٍ كرويةٍ تجلت فيها روح المنافسة الشرسة، شهد عشاق دوري روشن السعودي فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت صراعاً على الهيبة وتثبيت الأقدام في المربع الذهبي، حيث استضاف التعاون الطامح "ذئاب بريدة" ضيفه الثقيل الأهلي "قلعة الكؤوس" في مواجهةٍ وفت بكل وعودها الفنية والجماهيرية. وانتهت الموقعة بفوزٍ ثمينٍ للأهلي بهدفين مقابل هدف واحد، في مباراةٍ كان بطلها الأول هو الإصرار والقدرة على حسم التفاصيل الصغيرة تحت ضغطٍ رهيب.
أجواء الصدام وصراع الطموحات
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم خالد التريس، كانت الأجواء في مدرجات ملعب التعاون مشحونة بالترقب. الجماهير التي ملأت جنبات الملعب كانت تدرك تماماً قيمة هذه النقاط؛ فالأهلي دخل اللقاء وهو يحتل المركز الثالث بـ 75 نقطة، ساعياً لتأكيد جدارته بالمركز المتقدم، بينما كان التعاون، صاحب المركز الخامس بـ 52 نقطة، يمني النفس بإسقاط الكبار وتقليص الفوارق. التكتيك كان واضحاً منذ اللحظة الأولى؛ ماتياس يايسله مدرب الأهلي اعتمد على الضغط العالي والسرعة في التحول، بينما راهن بريكليس تشاموسكا مدرب التعاون على التنظيم الدفاعي واللعب على أخطاء الخصم، مما جعل الدقائق الأولى تشبه رقعة شطرنج بشرية يتحرك فيها اللاعبون بحذرٍ شديد.
الشوط الأول: لدغة "توني" تفتتح السيمفونية
لم يدم جس النبض طويلاً، ففي الدقيقة 17، ومن هجمةٍ منظمةٍ اتسمت بالسرعة والدقة، مرر ماتيو دامس كرةً سحريةً وضعت المهاجم الإنجليزي ايفان توني في مواجهة المرمى، ولم يتوانَ الأخير في إيداعها الشباك معلناً عن الهدف الأول للأهلي. هذا الهدف أشعل فتيل المباراة مبكراً، حيث حاول التعاون الرد بسرعة، لكن صلابة الدفاع الأهلاوي كانت بالمرصاد. ومع تصاعد حدة التنافس، بدأت التدخلات البدنية تفرض نفسها، مما اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب الأهلي إنزو ميلو في الدقيقة 33 نتيجة تدخلٍ قوي لتعطيل هجمة تعاونية واعدة. لينتهي الشوط الأول بتقدم الضيوف وسط محاولاتٍ خجولة من أصحاب الأرض للعودة في النتيجة.
الشوط الثاني: عودة "السكري" ورد "إيبانيز" القاتل
مع انطلاقة الشوط الثاني، أجرى يايسله تبديلاً تكتيكياً بخروج فالنتين أتانغانا إيدوا ودخول زياد الجهني لتعزيز وسط الميدان. لكن الرياح هبت بما لا تشتهي السفن الأهلاوية في الدقيقة 55، حين استغل أنجلو فولجينى تمريرةً متقنة من زميله فلافيو، ليسدد كرةً سكنت شباك الأهلي، معيدةً المباراة إلى نقطة الصفر وسط انفجارٍ جماهيري في مدرجات بريدة. هذا التعادل زاد من توتر الأعصاب، فتوالت البطاقات الصفراء؛ حيث نال محمد وليد الدوسري من التعاون إنذاراً في الدقيقة 50، وتبعه صالح ابو الشامات من الأهلي في الدقيقة 57، ثم زياد الجهني في الدقيقة 60.
في الدقيقة 61، تدخل يايسله مجدداً بسلسلة تبديلاتٍ لتنشيط الجبهات، فدفع بـ ريان محمد حامد وماتيوس جونسالفيس بدلاً من على مجرشي وصالح ابو الشامات. هذه التغييرات أعادت التوازن للأهلي الذي بدأ يضغط بكل ثقله. وفي الدقيقة 79، ومن ركلةٍ ثابتة نفذها الموسيقار الجزائري رياض محرز بدقةٍ متناهية، ارتقى المدافع البرازيلي روجر إيبانيز فوق الجميع ليزرع الكرة في الشباك التعاونية، معلناً الهدف الثاني للأهلي ومطلقاً أفراحاً عارمة في دكة بدلاء فريقه.
اللحظات الأخيرة وصمود "القلعة"
الدقائق العشر الأخيرة كانت عبارة عن حصارٍ تعاوني كامل على مناطق الأهلي. حاول تشاموسكا إنقاذ ما يمكن إنقاذه بإشراك متعب المفرج، غابرييل تيكسيرا، وسيف رجب، لكن الدفاع الأهلاوي استبسل في الدفاع عن عرينه. وشهدت الدقيقة 78 حصول قائد التعاون أشرف المهديوي على بطاقة صفراء نتيجة الاحتجاج والالتحام القوي. وفي الدقيقة 90، قرر يايسله تأمين النتيجة بإخراج رياض محرز وإشراك المدافع محمد بكر لغلق كل المنافذ المؤدية لمرمى فريقه. استمر اللعب حتى الدقيقة 100 مع احتساب الوقت بدل الضائع، لكن صافرة التريس كانت هي النهاية السعيدة لجمهور الأهلي.
تحليل فني: كيف حسم الأهلي المعركة؟
بالنظر إلى مجريات اللقاء، نجد أن الأهلي تفوق بفضل فاعليته الهجومية العالية؛ فمن فرصٍ قليلة استطاع تسجيل هدفين، وهو ما يعكس جودة العناصر الفردية مثل توني وإيبانيز. كما أن تبديلات يايسله كانت تهدف للحفاظ على الإيقاع البدني في وسط الملعب رغم كثرة البطاقات الصفراء التي هددت الفريق بالإكمال بنقصٍ عددي. في المقابل، قدم التعاون مباراةً كبيرة من حيث الاستحواذ وبناء اللعب، وكان فلافيو محركاً حقيقياً في الوسط، لكن غياب اللمسة الأخيرة أمام المرمى والوقوع في فخ الكرات الثابتة كلفهم خسارة نقاط المباراة على أرضهم وبين جماهيرهم.
الخاتمة: الأهلي يغرد في المركز الثالث
بهذا الانتصار المستحق، رفع الأهلي رصيده ليؤمن مكانه في المركز الثالث، مؤكداً أنه يسير بخطى ثابتة نحو إنهاء الموسم في مركزٍ يليق بطموحات عشاقه. أما التعاون، فرغم الخسارة، فقد أثبت أنه رقمٌ صعب في الدوري، وستكون هذه المباراة درساً قاسياً له في كيفية إدارة الدقائق الحرجة أمام الفرق الكبرى. غادرت الجماهير الملعب وهي تتحدث عن رأسية إيبانيز وتمريرات محرز، في ليلةٍ ستبقى محفورة في ذاكرة هذا الموسم كواحدةٍ من أجمل مباريات التكتيك والإثارة في دوري روشن.


