ليلة تبوك الساحرة: بن رحمة يكتب فصلاً جديداً في طموح نيوم أمام كبرياء الشباب
تحت أضواء استاد مدينة الملك خالد الرياضية بتبوك، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس حتى لحظاتها الأخيرة، رسم نادي نيوم لوحة فنية من الإصرار والطموح، محققاً انتصاراً مدوياً على ضيفه العريق نادي الشباب بنتيجة 2-1. لم تكن مجرد مباراة في دوري روشن السعودي، بل كانت صراعاً تكتيكياً رفيع المستوى بين مدرستين مختلفتين، حيث نجح "أصحاب الأرض" في تأكيد علو كعبهم في ليلة تألق فيها النجم الجزائري سعيد بن رحمة، ليمنح فريقه ثلاث نقاط غالية وسط أجواء جماهيرية صاخبة لم تهدأ طوال ثمانية وتسعين دقيقة من الإثارة.
ملحمة تبوك: طموح "نيوم" يصطدم بخبرة "الليث"
قبل إطلاق صافرة البداية من قبل الحكم أحمد الرميخاني، كانت الأجواء في مدرجات ملعب تبوك تشي بمواجهة استثنائية. الجماهير التي ملأت جنبات الملعب كانت تدرك أن فريقها "نيوم"، بقيادة المدرب المحنك كريستوف جالتييه، يواجه اختباراً حقيقياً أمام "ليث" جريح يسعى لاستعادة توازنه بقيادة مدربه الخبير نور الدين زكري. التوقعات كانت متباينة، لكن الرغبة في الفوز كانت تشتعل في عيون اللاعبين منذ لحظة دخولهم أرضية الميدان، حيث بدت ملامح التركيز واضحة على وجوه رفاق بن رحمة، بينما كان لاعبو الشباب يدركون أن المهمة في تبوك لن تكون نزهة سهلة.
الشوط الأول: إعصار بن رحمة يزلزل الدفاع الشبابي
انطلقت المباراة بإيقاع سريع وتوتر ملموس، ولم يكد القارئ يتخيل حجم الضغط الذي مارسه نيوم منذ الدقائق الأولى. في الدقيقة السابعة عشرة، بدأت ملامح المعاناة تظهر على دفاع الشباب حينما تلقى محمد الشويرخ بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، مما أنذر بعاصفة هجومية قادمة. لم يتأخر الرد، ففي الدقيقة 19، احتسب الحكم ركلة جزاء لنيوم انبرى لها الاختصاصي سعيد بن رحمة، الذي أودعها الشباك ببرود أعصاب يحسد عليه، معلناً عن الهدف الأول ومفجراً صرخات الفرح في المدرجات.
استمر الضغط والسيطرة الميدانية لكتيبة جالتييه، بينما حاول الشباب تنظيم صفوفه والعودة في النتيجة، إلا أن التنظيم الدفاعي لنيوم كان سداً منيعاً. ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، وفي الدقيقة 45 تحديداً، عاد سعيد بن رحمة ليظهر مجدداً في الكادر، حيث تحصل نيوم على ركلة جزاء ثانية، ليضعها النجم الجزائري في المرمى بكل ثقة، معززاً تقدم فريقه بهدف ثانٍ شخصي له ولفريقه، ليذهب الجميع إلى غرف الملابس والنتيجة تشير إلى تقدم مريح لنيوم بهدفين دون رد.
الشوط الثاني: تبديلات تكتيكية وعودة "الليث" للمنافسة
مع بداية الشوط الثاني، فاجأ جالتييه الجميع بسحب نجم اللقاء سعيد بن رحمة ليدخل مكانه مهند آل سعد، في خطوة بدت تكتيكية للحفاظ على التوازن البدني. في المقابل، أجرى نور الدين زكري تغييرات جذرية بخروج محمد الشويرخ وعلي عزايزة ودخول علي الأسمري وعبدالعزيز العثمان، في محاولة يائسة لقلب الطاولة. بدأت المباراة تأخذ طابعاً بدنياً قوياً، وازدادت الإثارة مع دخول الأسطورة سلمان الفرج في الدقيقة 66 بدلاً من عبدالملك العييري، ليضفي لمسة من الهدوء والخبرة على وسط ميدان نيوم.
الشباب لم يستسلم، وبدأ يرمي بكل ثقله الهجومي، وفي الدقيقة 78، ومن تمريرة حاسمة متقنة من ياسين عدلي، نجح النجم البلجيكي يانيك كاراسكو في تقليص الفارق بتسجيله هدفاً رائعاً أعاد الأمل لقلوب الشبابيين. اشتعلت المباراة في دقائقها العشر الأخيرة، وتوترت الأعصاب، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه خليفة الدوسري من جانب نيوم في الدقيقة 80، وسط محاولات شبابية مستمرة للتعديل، يقابلها استبسال دفاعي بطولي من أصحاب الأرض.
أنفاس أخيرة تحت ضغط التوتر والبطاقات
الدقائق الأخيرة كانت اختباراً حقيقياً للأعصاب، حيث أجرى جالتييه تبديلات دفاعية متأخرة في الدقيقة 90+2، بدخول إسلام هوساوي ومحمد البريك لتأمين المناطق الخلفية. الحكم أحمد الرميخاني أضاف وقتاً بدلاً من ضائع طويلاً شهد توتراً كبيراً، حيث تلقى عبدالعزيز العثمان بطاقة صفراء في الدقيقة 90+7 نتيجة الاحتجاج والالتحام القوي. صافرة النهاية جاءت كالموسيقى في آذان لاعبي نيوم، معلنة فوزاً تاريخياً عزز من وضعيتهم في جدول الترتيب.
قراءة فنية: كيف روّض جالتييه طموحات زكري؟
بالنظر إلى الإحصائيات وسير اللقاء، يظهر بوضوح أن كريستوف جالتييه نجح في استغلال الكرات الثابتة والضغط العالي في الشوط الأول ليحسم الأمور مبكراً. بالرغم من أن الشباب حاول العودة بفضل تحركات يانيك كاراسكو وتمريرات ياسين عدلي، إلا أن التبديلات التي أجراها نيوم، خاصة دخول سلمان الفرج، ساهمت في امتصاص حماس الخصم في الأوقات الحرجة. الشباب الذي يعاني في المركز الثالث عشر برصيد 32 نقطة، لم يجد الحلول الكافية لفك شفرات دفاع نيوم المنظم، الذي ارتقى بهذا الفوز إلى المركز الثامن برصيد 44 نقطة، مؤكداً أنه رقم صعب في معادلة دوري روشن هذا الموسم.
الخاتمة: نيوم يحلق في سماء تبوك والشباب يواصل البحث عن الذات
بهذا الانتصار، يثبت نيوم أن طموحه لا يتوقف عند مجرد المشاركة، بل يسعى لمزاحمة الكبار في المنطقة الدافئة من جدول الترتيب. لقد كانت ليلة بن رحمة بامتياز، ليلة أكدت أن التفاصيل الصغيرة وركلات الجزاء قد تحسم مصير مباريات كبرى. وفي المقابل، يغادر الشباب تبوك وهو يحمل معه الكثير من الأسئلة حول تراجع النتائج، حيث استمرت سلسلة تعثراته في الجولات الأخيرة، بينما احتفل عشاق نيوم حتى الصباح بهذا الفوز الذي سيبقى محفوراً في ذاكرة مشجعي مدينة تبوك كواحدة من أجمل سهرات "روشن" الكروية.


