صراع النقاط في بريدة: التعاون والرياض يرتضيان باقتسام الغنائم في ليلة حبست الأنفاس
تحت أضواء ملعب نادي التعاون بمدينة بريدة، وفي أمسية كروية غلبت عليها الندية والإثارة، شهد دوري روشن السعودي فصلاً جديداً من فصول التنافس المحتدم. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت مواجهة تعكس طموحات متباينة؛ بين "سكري القصيم" الساعي لترسيخ أقدامه في مراكز النخبة، وبين "مدرسة الوسط" نادي الرياض الذي يصارع من أجل البقاء والهروب من مناطق الخطر. وبصافرة الحكم ماجد الشمراني، انطلقت الملحمة التي انتهت بتعادل إيجابي بهدف لمثله، في نتيجة ربما لم ترضِ طموح أصحاب الأرض، لكنها منحت الضيوف نقطة قد تكون ذهبية في حسابات البقاء.
هدوء ما قبل العاصفة وتكتيكات حذرة
دخل التعاون اللقاء بقيادة مدربه المحنك بريكليس تشاموسكا، معتمداً على عاملي الأرض والجمهور، ومسلحاً بسجل تهديفي جيد وصل إلى 59 هدفاً طوال الموسم. في المقابل، رسم المدرب ماوريسيو دولاك خطة دفاعية محكمة لفريق الرياض، مدركاً أن الخروج بنقطة من قلب بريدة يعد مكسباً كبيراً، خاصة وأن فريقه يعاني في المركز السادس عشر. الشوط الأول كان عبارة عن معركة تكتيكية في وسط الميدان، حيث حاول التعاون فرض أسلوبه من خلال الاستحواذ القصير وتوسيع رقعة اللعب، بينما اعتمد الرياض على تضييق المساحات والرقابة اللصيقة على مفاتيح لعب التعاون، لينتهي النصف الأول من المباراة بصمت تهديفي وقلق جماهيري بدأ يتسلل إلى المدرجات.
انفجار الأحداث في الشوط الثاني
مع بداية الشوط الثاني، ارتفع رتم المباراة بشكل ملحوظ، وبدا أن اللاعبين قد تلقوا تعليمات صارمة بزيادة الضغط الهجومي. لم تمر سوى ثلاث دقائق حتى بدأت الإثارة تطل برأسها، حينما أشهر الحكم ماجد الشمراني البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب التعاون روجير مارتنيز في الدقيقة 48، نتيجة تدخل قوي لتعطيل هجمة مرتدة. هذا الإنذار كان بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل اللقاء، حيث تخلى الفريقان عن حذرهما المبالغ فيه، وبدأنا نرى وصولاً متكرراً للمرميين.
وفي الدقيقة 61، صدم الضيوف جماهير بريدة بهجمة مرتدة منظمة بدأت من قدم تيدي ليا اوكو، الذي أرسل تمريرة حاسمة "أسيست" وضعت زميله لياندرو أنتونيس في مواجهة مباشرة مع الشباك. لم يتوانَ أنتونيس في إيداع الكرة المرمى، معلناً عن تقدم الرياض بالهدف الأول، ومفجراً فرحة عارمة في دكة بدلاء فريقه التي كانت تدرك قيمة هذا الهدف في صراع الهبوط.
رد فعل سريع ودراما ركلات الجزاء
لم يهنأ الرياض بتقدمه كثيراً، إذ كشر "السكري" عن أنيابه سريعاً. وتحت وطأة الضغط التعاوني المستمر، احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح أصحاب الأرض. انبرى لها النجم روجير مارتنيز، الذي أراد تكفير ذنب بطاقته الصفراء السابقة. وفي الدقيقة 67، وبثبات انفعالي كبير، سدد مارتنيز الكرة بقوة داخل الشباك، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر ومشعلاً حماس المدرجات من جديد. هدف التعادل هذا أعاد الثقة للاعبي المدرب تشاموسكا، الذين اندفعوا نحو الأمام بحثاً عن هدف الفوز.
أدرك المدربان أن المباراة دخلت مرحلة الحسم، فبدأت سلسلة التبديلات التكتيكية. في الدقيقة 69، دفع تشاموسكا باللاعب غابرييل تيكسيرا بدلاً من متعب المفرج لزيادة الكثافة الهجومية. وفي الدقائق الأخيرة، وتحديداً في الدقيقة 82، تلقى صاحب هدف الرياض لياندرو أنتونيس بطاقة صفراء، قبل أن يقرر مدربه استبداله في الدقيقة 86 باللاعب عمار الحرفي لتأمين النتيجة. التعاون بدوره واصل التغيير بدخول محمد القحطاني بدلاً من فلافيو في الدقيقة 87، بينما اختتم الرياض تبديلاته بدخول سلطان هارون بدلاً من مامادو سيلا ديالو في الدقيقة 89.
تحليل فني ونظرة على الأرقام
بالنظر إلى سياق المباراة، يتضح أن التعاون كان الأكثر سيطرة ومحاولة، وهو أمر تعكسه إحصائيات الفريق هذا الموسم بامتلاكه 53 نقطة ووجوده في المركز السادس. إلا أن الرياض، رغم معاناته في المركز السادس عشر برصيد 27 نقطة، أظهر روحاً قتالية عالية وتنظيماً دفاعياً حال دون تلقيه هدفاً ثانياً. التبديلات التي أجراها "دولاك" في الدقائق الأخيرة ساهمت في امتصاص حماس لاعبي التعاون وقتل الوقت المتبقي بذكاء، بينما افتقدت هجمات التعاون في اللحظات الأخيرة إلى اللمسة النهائية الحاسمة.
خاتمة: نقطة للذكرى وأخرى للنسيان
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية بعد 94 دقيقة من الصراع، كانت مشاعر الارتياح واضحة على وجوه لاعبي الرياض، الذين عادوا إلى العاصمة بنقطة ثمينة من ملعب صعب، مما يرفع رصيدهم إلى 28 نقطة ويبقي آمالهم قوية في صراع البقاء المحتدم. في المقابل، غادر لاعبو التعاون الملعب برؤوس مطأطئة نوعاً ما، لشعورهم بضياع نقطتين كانتا في المتناول لتعزيز موقعهم خلف مراكز الصدارة. تبقى هذه المباراة شاهدة على أن دوري روشن لا يعترف بالفوارق النقطية الكبيرة، فالعزيمة داخل المستطيل الأخضر قادرة دائماً على فرض كلمتها، لتنتهي الموقعة بتعادل عادل أنصف اجتهاد الرياض وعاقب تسرع التعاون.


