إعصار "الراقي" يكتسح الرمال: الأهلي يروض طموح الخلود بثلاثية ناصعة في ليلة جدة
تحت أضواء ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية بجدة، وفي ليلة تزينت باللونين الأخضر والأبيض، رسم "الراقي" لوحة كروية مبهرة أكد من خلالها سطوته ومكانته في دوري روشن السعودي. لم تكن مواجهة الأهلي وضيفه الخلود مجرد مباراة في جدول الدوري، بل كانت استعراضاً للقوة والانسجام التكتيكي الذي فرضه كتيبة المدرب الألماني ماتياس يايسله، لينتهي اللقاء بفوز عريض للأهلي بثلاثية نظيفة، وسط هدير جماهيري لم يتوقف طوال التسعين دقيقة، ليغادر الضيوف الملعب مثقلين بجراح الهزيمة أمام طوفان أهلاوي لا يرحم.
أجواء الصخب في "الجوهرة المشعة"
قبل إطلاق صافرة البداية بصوت الحكم شكري الحنفوش، كانت الأجواء في مدرجات ملعب الإنماء تشي بليلة استثنائية. الجماهير الأهلاوية التي ملأت جنبات الملعب لم تتوقف عن الأهازيج، محولةً الملعب إلى مرجل يغلي بالحماس. في المقابل، دخل فريق الخلود بقيادة مدربه ديس باكنجهام وهو يدرك تماماً حجم المهمة الصعبة التي تنتظره أمام فريق يعيش أفضل فتراته الفنية. التوقعات كانت تصب في مصلحة صاحب الأرض، لكن أحداً لم يتوقع أن يحسم الأهلي الأمور بهذه السرعة وبهذا الأداء السينمائي الذي جعل من الشوط الأول حصة تدريبية رفيعة المستوى.
عاصفة الدقائق الأولى.. كيسيه يصنع وتوني يفتتح المهرجان
انطلقت المباراة بضغط هجومي مكثف من جانب الأهلي، الذي اعتمد على سرعة الأطراف وتحركات رياض محرز الماكرة. وفي الدقيقة 18، ومن جملة تكتيكية بدأت من منتصف الملعب، أرسل القائد الإيفواري فرانك كيسيه تمريرة سحرية اخترقت دفاعات الخلود، لتجد القناص ايفان توني الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول ومفجراً طاقات المدرجات. لم يكد لاعبو الخلود يستفيقون من صدمة الهدف الأول، حتى عاد فرانك كيسيه بلمسة إبداعية أخرى في الدقيقة 20، ليضع زميله صالح ابو الشامات في مواجهة المرمى، والذي بدوره لم يخطئ الطريق، معززاً تقدم الأهلي بالهدف الثاني في غضون دقيقتين فقط.
حاول فريق الخلود العودة للأجواء وتنظيم صفوفه، إلا أن البطاقة الصفراء التي نالها المدافع نوربيرت جيومبير في الدقيقة 32 عكست حالة الارتباك والضغط الكبير الذي مارسه الهجوم الأهلاوي. وبينما كان الشوط الأول يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتحديداً في الدقيقة 41، أبى النجم إنزو ميلو إلا أن يضع بصمته الخاصة، مسجلاً الهدف الثالث بعد فاصل من المهارة الفردية والإنهاء المتقن، لينهي الأهلي الشوط الأول متقدماً بثلاثية نظيفة، وسط ذهول من دكة بدلاء الخلود.
الشوط الثاني.. إدارة ذكية وصراع في منتصف الميدان
مع بداية الشوط الثاني، حاول ديس باكنجهام تدارك الموقف بإجراء تبديلات مبكرة، حيث دفع بـ سلطان الشهري وعبدالرحمن الدوسري بدلاً من رمزي سولان وكيفين ندورام، في محاولة لضخ دماء جديدة في عروق الفريق المنهك. ورغم التحسن الطفيف في أداء الخلود، إلا أن الانضباط الدفاعي للأهلي بقيادة ميريه ديميرال حال دون وصول الضيوف لمرمى "الراقي". وفي المقابل، نال زياد الجهني بطاقة صفراء في الدقيقة 43، مما استوجب من يايسله توخي الحذر في إدارة الالتحامات البدنية.
استمرت المباراة بإيقاع متوازن، حيث فضل الأهلي الاحتفاظ بالكرة وتدويرها لإرهاق المنافس. وفي الدقيقة 61، دفع مدرب الخلود بـ محمد صوعان بدلاً من عبدالعزيز العليوة، لكن السيطرة الأهلاوية ظلت قائمة. ومع حلول الدقيقة 68، قرر ماتياس يايسله إراحة نجومه، فأخرج فرانك كيسيه وعلى مجرشي، ليدفع بـ فراس البريكان ومحمد عبدالرحمن، في خطوة تهدف للحفاظ على الحيوية الهجومية وتجربة خيارات تكتيكية جديدة في ظل ضمان النتيجة.
تبديلات تكتيكية وهدوء ما قبل الختام
شهدت الدقائق الأخيرة سلسلة من التبديلات من كلا الجانبين؛ حيث غادر جون بوكلي وهتان باهبرى من جانب الخلود، وحل مكانهما عبد الرحمن السفاري وعبد الله العجيان. أما في المعسكر الأخضر، فقد استمر يايسله في منح الفرصة للعناصر الشابة والبديلة، فدخل عيد المولد بدلاً من صاحب الهدف الثاني صالح ابو الشامات في الدقيقة 77. وقبل نهاية الوقت الأصلي بثلاث دقائق، غادر النجم العالمي رياض محرز والمدافع الصلب ميريه ديميرال أرضية الملعب وسط تحية حارة من الجماهير، ليحل مكانهما سالم عبدالله وريان محمد حامد.
رغم محاولات الخلود الخجولة لتقليص الفارق، إلا أن صافرة الحكم شكري الحنفوش أعلنت نهاية المواجهة بتفوق أهلاوي صريح. الإحصائيات الفنية للمباراة عكست هذا التفوق، حيث سيطر الأهلي على معظم فترات اللعب، وكان الأكثر فاعلية أمام المرمى، بينما عانى الخلود من غياب الحلول الهجومية وضعف التغطية الدفاعية في اللحظات الحاسمة من الشوط الأول.
التحليل الفني: عبقرية يايسله وضياع باكنجهام
نجح ماتياس يايسله في قراءة المباراة بشكل مثالي، حيث اعتمد على الضغط العالي والتحول السريع من الدفاع للهجوم، وهو ما تجلى في الهدفين الأول والثاني. كان دور فرانك كيسيه محورياً، ليس فقط في صناعة الأهداف، بل في الربط بين الخطوط وإفساد هجمات المنافس قبل بدئها. التبديلات التي أجراها الأهلي في الشوط الثاني حافظت على توازن الفريق ومنعت الخلود من القيام بأي رد فعل حقيقي. في المقابل، فشل ديس باكنجهام في إيجاد توازن بين الدفاع والهجوم، وظهرت مساحات شاسعة في عمق فريقه استغلها لاعبو الأهلي ببراعة فائقة.
الخاتمة: الأهلي يثبت أقدامه في المربع الذهبي
بهذا الفوز العريض، رفع الأهلي رصيده إلى 78 نقطة، معززاً موقعه في المركز الثالث بجدول ترتيب دوري روشن، ومواصلاً مطاردة الصدارة بكل قوة. هذا الانتصار ليس مجرد ثلاث نقاط تضاف للرصيد، بل هو رسالة ثقة للجماهير الأهلاوية بأن فريقها يسير في الطريق الصحيح نحو استعادة الأمجاد. أما الخلود، فقد تأزمت وضعيته في المركز الرابع عشر برصيد 32 نقطة، ليصبح الفريق في موقف لا يحسد عليه، مطالباً بمراجعة حساباته سريعاً لتجنب الدخول في نفق الحسابات المعقدة للهبوط في الجولات القادمة. لقد كانت ليلة "الراقي" بامتياز، ليلة أكدت أن جدة تبتسم دائماً عندما يتألق أهليها.


