زلزال في جدة: القادسية يكتسح الاتحاد بخماسية تاريخية في ليلة تألق كينيونس
لم يكن أشد المتفائلين من عشاق "بنو قادس" أو أكثر المتشائمين من جماهير "العميد" يتوقع أن تنتهي السهرة الكروية في ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية بهذا السيناريو الدراماتيكي. في ليلة شهدت انكسار الكبرياء الاتحادي تحت أقدام طموح القادسية، سطر المدرب بريندان رودجرز فصلاً جديداً من فصول التألق التكتيكي، ليعود إلى الخبر بانتصار عريض قوامه خمسة أهداف مقابل هدف وحيد، ضمن منافسات دوري روشن السعودي، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة البطولة طويلاً.
أجواء صاخبة وتوقعات خذلت أصحاب الأرض
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم الروسي سيرجي إيفانوف، كانت الأجواء في جدة توحي بقمة كروية مشتعلة. الجماهير الاتحادية ملأت المدرجات، تمني النفس بانتصار يعزز موقف الفريق في سلم الترتيب تحت قيادة الداهية البرتغالي سيرجيو كونسيساو. في المقابل، دخل القادسية اللقاء بهدوء الواثق، متسلحاً بأسماء عالمية ومحلية شابة، وبرغبة واضحة في إثبات أن "فارس الشرقية" جاء لينافس الكبار لا ليكون مجرد رقم عابر. التوقعات كانت تشير إلى صراع بدني وفني محتدم، لكن الميدان كان له رأي آخر تماماً.
الشوط الأول: صدمة البدايات وإعصار كينيونس
لم يمهل الضيوف أصحاب الأرض سوى دقيقتين فقط لترجمة أفضليتهم؛ فمن تمريرة حاسمة ومتقنة من الأوروغوياني ناهيتان نانديز، استقبل الشاب الموهوب مصعب الجوير الكرة ليسكنها الشباك الاتحادية، معلناً عن هدف مبكر أربك حسابات كونسيساو وألجم صرخات المدرجات. حاول الاتحاد العودة، وشهدت الدقيقة 23 تدخل تقنية الفيديو (VAR) في لقطة أثارت الجدل، لكنها لم تمنع القادسية من مواصلة زحفه.
ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، انفجر المهاجم المتألق خوليان كينيونس؛ ففي الدقيقة 37 سجل الهدف الثاني من ركلة جزاء نفذها ببراعة، ولم يكد الاتحاد يستفيق من صدمة الهدف الثاني حتى عاد كينيونس ليضرب مجدداً في الدقيقة 38، مستغلاً تمريرة أخرى من "مهندس العمليات" ناهيتان نانديز، ليجعل النتيجة 3-0 في ظرف دقيقة واحدة. وقبل الذهاب لغرف الملابس، منح الحكم ركلة جزاء للاتحاد، انبرى لها المهاجم المغربي يوسف النصيري في الدقيقة 42 ليقلص الفارق، معيداً بصيصاً من الأمل لجماهير العميد لينتهي الشوط الأول بنتيجة 3-1 للقادسية.
الشوط الثاني: انهيار "العميد" واكتمال "الهاتريك"
دخل الاتحاد الشوط الثاني برغبة في العودة، وأجرى كونسيساو تبديلاً بدخول عبد العزيز علي البيشي بدلاً من فيصل الغامدي في الدقيقة 54 لتنشيط الجبهة الهجومية. لكن الرد القدساوي كان قاسياً وسريعاً؛ ففي الدقيقة 55، ومن عرضية متقنة من كريستوفر باه، ارتقى محمد أبو الشامات ليضع الكرة في المرمى مسجلاً الهدف الرابع، ليقضي فعلياً على أي أمل اتحادي في العودة.
التوتر بدأ يظهر على لاعبي الاتحاد، مما أدى لحصول ماريو ميتاج وعبد الرحمن العبود على بطاقات صفراء متتالية في الدقيقتين 59 و60. وفي الدقيقة 64، أبى خوليان كينيونس إلا أن يضع بصمته النهائية على المباراة بتسجيله الهدف الخامس الشخصي الثالث له (هاتريك)، بصناعة هي الثالثة أيضاً للنجم ناهيتان نانديز، الذي كان نجم المباراة الأول بلا منازع. بعد هذا الهدف، تحولت المباراة إلى حصة تدريبية للقادسية وسط استسلام تام من لاعبي الاتحاد الذين عجزوا عن مجاراة السرعة والتحولات الخاطفة لخصمهم.
تكتيك رودجرز وتغييرات لم تغير الواقع
أثبت بريندان رودجرز تفوقه التكتيكي الكاسح، حيث اعتمد على الاستحواذ الإيجابي الذي وصل إلى 65%، معتمداً على دقة تمرير مذهلة بلغت 92.34%. القادسية لم يكتفِ بالأهداف، بل سدد 20 كرة على المرمى، منها 4 تسديدات محققة، بينما اكتفى الاتحاد بنسبة استحواذ 35% وفشل في استغلال الـ 13 تسديدة التي أطلقها، حيث لم يصب المرمى سوى في كرة واحدة كانت هي ركلة الجزاء.
التبديلات التي أجراها كونسيساو بدخول صالح الشهري ومحمد فلاته وجورج إلينخينا وأحمد الغامدي لم تغير من واقع الأمر شيئاً، بل زادت من معاناة الفريق الدفاعية. في المقابل، قام رودجرز بإراحة نجومه في الدقائق الأخيرة، حيث أشرك ياسر الشهراني وهيثم عسيري وعلي هزازي لتأمين النتيجة والحفاظ على المخزون اللياقي، وسط تصفيق حار من الجماهير التي حضرت لمساندة الفريق الضيف.
الخاتمة: ليلة السقوط والتحليق
عندما أطلق سيرجي إيفانوف صافرة النهاية، كانت اللوحة تشير إلى انتصار تاريخي للقادسية بـ 5 أهداف مقابل هدف واحد. هذه النتيجة لم تكن مجرد ثلاث نقاط، بل كانت رسالة شديدة اللهجة من القادسية لجميع المنافسين بأنه قادم للمنافسة على مراكز النخبة، حيث رفع رصيده إلى 77 نقطة في المركز الرابع. أما الاتحاد، فقد كانت هذه الخسارة بمثابة جرس إنذار حقيقي، حيث تجمد رصيده عند 55 نقطة في المركز الخامس، تاركاً خلفه تساؤلات جماهيرية كبرى حول مستقبل الفريق وقدرته على النهوض من هذه الكبوة القاسية التي هزت أركان "العميد" في معقله وبين جماهيره.


