ليلة سقوط "الفيولا": كومو يباغت فيورنتينا ويزلزل أركان "أرتيميو فرانكي"
تحت أضواء ملعب أرتيميو فرانكي التاريخي، وفي ليلة من ليالي كأس إيطاليا التي لا تعترف بالكبار، شهدت مدينة فلورنسا فصلاً جديداً من فصول الإثارة الكروية. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول السهرة الكروية في دور الـ 16 إلى صدمة مدوية لعشاق "الفيولا"، حيث نجح فريق كومو، بقيادة مدربه الشاب الطموح سيسك فابريجاس، في قلب الطاولة على أصحاب الأرض والعودة ببطاقة التأهل بعد فوز مستحق بنتيجة 3-1، في مباراة حبست الأنفاس حتى صافرة النهاية التي أطلقها الحكم جيوفاني ايرولدي.
بداية نارية وصاعقة "الفيولا" المبكرة
انطلقت المباراة بصخب جماهيري معهود في مدرجات فيورنتينا، ولم يمهل أصحاب الأرض ضيوفهم الكثير من الوقت لترتيب الأوراق. ففي الدقيقة السابعة فقط، ومن هجمة منظمة عكست رغبة كتيبة المدرب باولو فانولي في حسم الأمور مبكراً، أرسل جيوفاني فابيان تمريرة حاسمة وضعت المهاجم روبيرتو بيكولي في مواجهة المرمى، ليودعها الأخير الشباك معلناً تقدم فيورنتينا بالهدف الأول. اشتعل الملعب حماساً، وبدا أن فيورنتينا في طريقه لنزهة كروية سهلة، لكن كرة القدم كانت تخبئ سيناريو مغايراً تماماً.
لم يستسلم كومو لرهبة الموقف، وبدأ تدريجياً في فرض إيقاعه الهادئ والمبني على التمريرات القصيرة. وفي الدقيقة العشرين، ومن عمل جماعي رائع، مرر دييغو كارلوس كرة متقنة إلى المخضرم سيرجي روبيرتو، الذي لم يتوانَ عن إيداعها المرمى، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر ومسكناً ثورة الجماهير الفلورنتينية. هذا التعادل أعطى الضيوف ثقة هائلة، رغم الاضطرار لإجراء تبديل مبكر في الدقيقة 28 بخروج أناستاسيوس دوفيكاس ودخول الموهوب نيكو باز، وهو التغيير الذي سيغير ملامح المباراة لاحقاً.
صراع تكتيكي وتوتر تحت المطر
مع مرور الوقت، بدأت الأجواء تزداد توتراً، وظهر ذلك جلياً في التدخلات القوية التي أجبرت الحكم على إخراج البطاقات الصفراء. نال ماركو بريسكيانيني إنذاراً في الدقيقة 33 للحد من خطورة مرتدات كومو، بينما حصل اجناس فان دير بريمبت من جانب الضيوف على بطاقة صفراء في الدقيقة 38. انتهى الشوط الأول بالتعادل الإيجابي، وسط حيرة على وجه المدرب فانولي الذي رأى سيطرته الميدانية تتبخر أمام تنظيم فابريجاس المحكم.
مع بداية الشوط الثاني، واصل فابريجاس مغامرته التكتيكية، فأخرج فان دير بريمبت ليدفع بـ إيفان سمولسيتش لتأمين الدفاع. وفي المقابل، كان فيورنتينا يحاول اختراق الحصون الزرقاء، لكن العصبية بدأت تسيطر على الأداء، مما كلف دييغو كارلوس بطاقة صفراء في الدقيقة 59. إلا أن هذه العصبية لم تمنع كومو من شن غارة هجومية خاطفة في الدقيقة 60، حيث نجح البديل الذهبي نيكو باز في ترجمة أفضلية فريقه بتسجيل الهدف الثاني، ليعلن عن تقدم "الضيوف" وسط ذهول مطبق في أرجاء الملعب.
إعصار التبديلات ومحاولات العودة اليائسة
شعر باولو فانولي بضياع المباراة من بين يديه، فقام بإجراء "ثورة" في تشكيلته في الدقيقة 66، حيث أجرى أربعة تبديلات دفعة واحدة بدخول ألبيرت جودموندسون، روبن جوسينز، ونيكولو فاجيولي، وخروج كل من لويس بالبو، روبيرتو بيكولي، وشير ندور. كان الهدف واضحاً: الهجوم الشامل ولا شيء غيره. لكن كومو، بروح قتالية عالية، امتص هذا الاندفاع، ورد فابريجاس بتبديلات ذكية في الدقيقة 70 بإشراك جايدن أداي وماكسيمو بيروني بدلاً من خيسوس رودريجيز وصاحب الهدف الأول سيرجي روبيرتو.
استمرت المحاولات البنفسجية، ودفع فانولي بآخر أوراقه بإشراك مانور سولومون في الدقيقة 73، لكن دفاع كومو كان صامداً كالجبال. وتوالت البطاقات الصفراء نتيجة الضغط النفسي، فنالها نيكو باز في الدقيقة 77، وتبعها إنذار لـ بيترو كوموزو من فيورنتينا في الدقيقة 79، ثم نيكولاس كوهن من كومو في الدقيقة 81. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، وبحث فيورنتينا عن التعادل، استغل كومو الاندفاع الهجومي ليسجل الهدف الثالث الذي حسم الأمور تماماً وأكد تفوقه بنتيجة 3-1.
التحليل الختامي: عبقرية فابريجاس وإحباط فانولي
كانت المباراة درساً في كيفية إدارة المواجهات الإقصائية؛ فبالرغم من تفوق فيورنتينا في الاستحواذ في بعض الفترات، إلا أن نجاعة كومو الهجومية كانت هي الفيصل. التبديلات التي أجراها فابريجاس، خاصة دخول نيكو باز الذي سجل هدفاً قبل أن يترك مكانه في الدقيقة 86 للنجم ألفارو موراتا لتأمين الدقائق الأخيرة، كانت بمثابة ضربات معلم. في المقابل، فشل فيورنتينا في استغلال عاملي الأرض والجمهور، وبدت تبديلاته المتأخرة وكأنها محاولة لترميم بناء انهار بالفعل تحت وطأة المرتدات السريعة لكومو.
الخاتمة: كومو يكتب التاريخ في فلورنسا
بهذا الانتصار الملحمي، يغادر كومو ملعب أرتيميو فرانكي برأس مرفوعة، حاملاً معه بطاقة التأهل إلى الدور ربع النهائي من كأس إيطاليا، في نتيجة ستظل محفورة في ذاكرة مشجعيه طويلاً. أما فيورنتينا، فعليه أن يواجه مرارة الخروج المبكر وعلامات الاستفهام الكبيرة حول الأداء الدفاعي الهش. لقد كانت ليلة لم تنصف التاريخ، بل أنصفت من اجتهد وخطط وقاتل فوق المستطيل الأخضر، ليعلن كومو نفسه حصاناً أسود في البطولة، ويترك فلورنسا غارقة في أحزانها الكروية.


