ملحمة جدة الكبرى: الهلال يعبر بوابة الأهلي إلى النهائي بضربات الحظ الترجيحية
تحت أضواء ملعب "الإنماء" بمدينة الملك عبدالله الرياضية في عروس البحر الأحمر جدة، وفي ليلةٍ لم تكن كغيرها من الليالي الكروية، عاشت الجماهير السعودية فصلاً جديداً من فصول الإثارة والتشويق في "كلاسيكو" الكرة السعودية. لم تكن مجرد مباراة في نصف نهائي كأس خادم الحرمين الشريفين، بل كانت ملحمةً كروية امتدت لمئة وعشرين دقيقة من الصراع البدني والتكتيكي، قبل أن تبتسم ركلات الترجيح في النهاية لكتيبة "الزعيم" الهلالي بنتيجة 4-2، بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله.
صراع العقول فوق العشب الأخضر
دخل الفريقان المباراة وهما يدركان أن الخطأ في مثل هذه المواعيد الكبرى يعني الوداع المر. على الخطوط الفنية، دارت معركة صامتة بين الألماني ماتياس يايسله مدرب الأهلي، والإيطالي الداهية سيمون إنزاجي مدرب الهلال. بدأت المباراة بحذرٍ شديد، حيث طغى التحفظ الدفاعي على الأداء، وسط أجواء جماهيرية صاخبة جعلت من الملعب مرجلاً يغلي. كان الهلال يسعى لفرض أسلوبه المعتاد عبر الاستحواذ على الكرة، بينما اعتمد الأهلي على التنظيم الدفاعي المحكم والتحول السريع، مستغلاً سرعات أطرافه وضغط جماهيره التي لم تتوقف عن الهتاف طوال الدقائق الأولى.
الفرنسي يصنع والمدافع الطائر يفتتح التسجيل
ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، وفي اللحظة التي ظن فيها الجميع أن الفريقين سيتوجهان لغرف الملابس بالتعادل السلبي، ظهرت قيمة النجوم الكبار. في الدقيقة 39، استلم النجم الفرنسي كريم بنزيما الكرة ببراعة، وبنظرة ثاقبة أرسل تمريرة حاسمة وضعت زميله ثيو هرنانديز في وضعية مثالية، ليطلق الأخير تسديدة سكنت شباك الأهلي، معلناً عن الهدف الأول للهلال. هذا الهدف أشعل المدرجات الزرقاء، بينما زاد من توتر لاعبي "الراقي"، وهو ما تجلى في حصول اللاعب علي مجرشي على بطاقة صفراء في الدقيقة 44 نتيجة تدخل قوي، لينتهي الشوط الأول بتقدم هلالي مستحق تكتيكياً.
انتفاضة "الراقي" وعودة الروح
في الشوط الثاني، دخل الأهلي بوجه مغاير تماماً، مدفوعاً برغبة جامحة في العودة. ضغط أصحاب الأرض بكل ثقلهم، وأجبروا الهلال على التراجع لمناطقه الدفاعية. وفي الدقيقة 63، تدخل إنزاجي لضخ دماء جديدة في دفاعه بإخراج علي لاجامي وإشراك حسان تمبكتي. ومع استمرار الضغط الأهلاوي، اشتعلت المباراة في الدقيقة 74 عندما لجأ الحكم ليناردو راي إلى تقنية الفيديو (VAR) لمراجعة لقطة مثيرة داخل منطقة جزاء الهلال. وبعد ترقبٍ حبس أنفاس الجميع، أشار الحكم إلى نقطة الجزاء. انبرى المهاجم الإنجليزي ايفان توني للركلة، وبكل هدوء وضع الكرة في الشباك في الدقيقة 81، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر ومفجراً بركان الغضب الجماهيري في مدرجات جدة.
تبديلات تكتيكية وصمود حتى الرمق الأخير
شهدت الدقائق الأخيرة من الوقت الأصلي قمة الإثارة، حيث حاول كل مدرب خطف الفوز قبل التمديد. أجرى يايسله تبديلاً بدخول ماتيوس جونسالفيس بدلاً من إنزو ميلو، بينما رد إنزاجي بإقحام عبد الكريم دارسي. ومع إطلاق صافرة نهاية الوقت الأصلي، دخلت المباراة في نفق الأوقات الإضافية المظلم. استمر السجال البدني، وظهر التعب على وجوه اللاعبين، مما دفع المدربين لاستنفاد تبديلاتهم؛ فخرج بنزيما ومالكوم وسالم الدوسري من جانب الهلال، بينما غادر رياض محرز أرض الملعب في الدقيقة 119 ليترك مكانه لفراس البريكان في محاولة أخيرة من يايسله لتنشيط الهجوم.
لغة الأرقام وتفاصيل الملحمة
بالنظر إلى إحصائيات المباراة، نجد أن الأهلي كان الأكثر محاولةً على المرمى بإجمالي 25 تسديدة، منها 8 تسديدات بين القائمين والعارضة، مما يعكس الرغبة الهجومية الكبيرة للفريق. في المقابل، اعتمد الهلال على دقة التمرير حيث بلغت تمريراته 469 تمريرة بنسبة نجاح وصلت إلى 78%، واستحواذ بلغ 52%. المباراة كانت نظيفة نسبياً رغم الحماس، حيث لم تشهد أي بطاقات حمراء، واكتفى الحكم بأربع بطاقات صفراء، ثلاث منها للأهلي (مجرشي، زكريا هوساوي، روجر إيبانيز) وبطاقة وحيدة للهلال.
ركلات الترجيح تختار بطلها
بعد 120 دقيقة من الركض المتواصل والفرص الضائعة، احتكم الفريقان لركلات الترجيح التي لا تعترف إلا بالثبات الانفعالي. تفوق لاعبو الهلال في تنفيذ ركلاتهم بتركيز عالٍ، بينما خان الحظ لاعبي الأهلي أمام براعة حارس الهلال. انتهت الركلات بنتيجة 4-2 لصالح الهلال، ليعلن الحكم ليناردو راي نهاية الملحمة بتأهل "الزعيم" إلى المباراة النهائية، وسط حسرة كبيرة من لاعبي وجماهير الأهلي الذين قدموا مباراة للذكرى.
الخاتمة: الهلال يواصل سطوته والأهلي يكسب الاحترام
بهذا الفوز الصعب والمثير، أكد الهلال مرة أخرى شخصيته القوية وقدرته على حسم المواعيد الكبرى حتى في أصعب الظروف. تأهل الهلال لمواجهة الطرف الآخر في النهائي، حاملاً معه آمال جماهيره في حصد لقب أغلى الكؤوس. أما الأهلي، فرغم الخسارة، فقد كسب احترام الجميع بأداءٍ بطولي وروح قتالية عالية، مؤكداً أن "الراقي" عاد ليكون رقماً صعباً في معادلة الكرة السعودية، بانتظار فرص أخرى للتعويض في المواسم القادمة.


