إعصار كندي يجتاح "بي سي بليس" بسداسية تاريخية في شباك قطر
تحت أضواء ملعب "بي سي بليس" المتلألئة، وفي ليلة لم تكن كغيرها من ليالي المونديال، شهدت الجماهير المحتشدة ملحمة كروية صاغتها أقدام المنتخب الكندي ببراعة، في مواجهة تحولت من مباراة تنافسية إلى استعراض كروي من طرف واحد. لم تكن مجرد مباراة في دور المجموعات بكأس العالم، بل كانت إعلاناً صريحاً عن ولادة قوة كروية جديدة في أمريكا الشمالية، حيث سحق المنتخب الكندي نظيره القطري بنتيجة ثقيلة بلغت ستة أهداف دون مقابل، في ليلة ستبقى محفورة طويلاً في ذاكرة عشاق "الكانوكس".
أجواء الصخب وتوقعات ما قبل الموقعة
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم كريستيان جاراي، كانت الأجواء في فانكوفر مشحونة بالعاطفة والحماس. الجماهير الكندية التي ملأت المدرجات عن آخرها، كانت تمني النفس برؤية منتخبها يقدم أداءً يليق بحجم الاستضافة، بينما دخل المنتخب القطري بقيادة الداهية الإسباني جولين لوبيتيجي بطموحات كبيرة لتعويض ما فاته. التوقعات كانت تشير إلى معركة تكتيكية بين "لوبيتيجي" ونظيره الكندي خيسي مارش، إلا أن ما حدث على أرضية الميدان تجاوز كل السيناريوهات المتوقعة، حيث فرض الكنديون إيقاعهم منذ اللحظة الأولى، مستغلين عاملي الأرض والجمهور لشن هجمات متتالية لم تهدأ طوال التسعين دقيقة.
الشوط الأول: بداية الإعصار والمنعرج الحاسم
انطلقت المباراة بضغط كندي مكثف، ورغم تلقي المدافع ديريك كورنيليوس بطاقة صفراء مبكرة في الدقيقة التاسعة كادت أن تخلط الأوراق، إلا أن الرد الكندي جاء سريعاً وحاسماً. في الدقيقة 16، نجح القناص كايل لارين في افتتاح مهرجان الأهداف، وسط فرحة عارمة هزت أركان الملعب. لم يكتفِ الكنديون بذلك، بل واصلوا الزحف نحو المرمى القطري، ليتمكن النجم جوناتان دافيد من تعزيز التقدم بهدف ثانٍ في الدقيقة 29 بعد جملة تكتيكية رائعة.
بينما كان المنتخب القطري يحاول استجماع قواه، جاءت اللحظة التي غيرت مجرى المباراة تماماً؛ ففي الدقيقة 33، أشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجه اللاعب همام الأمين بعد تدخل استدعى العودة لتقنية الفيديو (VAR). هذا النقص العددي أجبر "لوبيتيجي" على إجراء تبديل اضطراري في الدقيقة 40 بدخول سلطان البراك بدلاً من يوسف عبدالرزاق لمحاولة سد الثغرات الدفاعية. ومع ذلك، أبى جوناتان دافيد إلا أن ينهي الشوط الأول بضربة قاضية، مسجلاً هدفه الشخصي الثاني والثالث لفريقه في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع، ليدخل الفريقان غرف الملابس والنتيجة تشير لتقدم كندي مريح بثلاثية نظيفة.
الشوط الثاني: انهيار قطري وهيمنة مطلقة
مع بداية الشوط الثاني، حاول كلا المدربين إجراء تغييرات؛ حيث دفع "لوبيتيجي" بكل من أحمد فتحي ومحمد المناعي لتنشيط الصفوف، بينما أخرج "مارش" مدافعه "كورنيليوس" خوفاً من الطرد ليدفع بـ مويس بومبيتو. لكن المصائب لا تأتي فرادى على المنتخب القطري، ففي الدقيقة 54، تلقى عاصم ماديبو بطاقة حمراء أخرى بعد مراجعة الـ VAR، ليجد "العنابي" نفسه يكمل اللقاء بتسعة لاعبين فقط أمام إعصار لا يرحم.
استغل المنتخب الكندي هذا الانهيار الكامل، وبدأ في استعراض مهاراته. البديل ناثان ديلان ساليبا، الذي دخل في الدقيقة 57، لم ينتظر طويلاً ليترك بصمته، حيث سجل الهدف الرابع في الدقيقة 64. الضغط الكندي لم يتوقف، مما أجبر المدافع القطري محمد المناعي على تسجيل هدف عكسي في مرماه في الدقيقة 75، لتزداد جراح الضيوف عمقاً. وفي الأنفاس الأخيرة من المباراة، وتحديداً في الدقيقة 90+2، توج جوناتان دافيد مجهوده الجبار بتسجيل هدفه الثالث (هاتريك) والسادس لفريقه، بصناعة متقنة من المتألق "ساليبا"، ليعلن الحكم نهاية المباراة بانتصار كندي كاسح.
التحليل التكتيكي: كيف سقط "العنابي"؟
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن المنتخب الكندي فرض سيطرة مطلقة بنسبة استحواذ وصلت إلى 79%، مقابل 21% فقط للمنتخب القطري. هذه السيطرة ترجمت إلى 30 تسديدة كندية، منها 10 تسديدات مباشرة على المرمى، في حين عجز المنتخب القطري عن تسديد أي كرة بين الخشبات الثلاث طوال المباراة. التبديلات التي أجراها "خيسي مارش" كانت مثالية، خاصة دخول "ساليبا" الذي سجل وصنع، بينما كانت تبديلات "لوبيتيجي" مجرد محاولات لتقليل الأضرار بعد حالتي الطرد اللتين قصمتا ظهر الفريق. النقص العددي جعل من المستحيل على قطر مجاراة السرعة الكندية في التحول من الدفاع للهجوم، مما جعل المرمى القطري مستباحاً في أغلب فترات الشوط الثاني.
الخاتمة: كندا تحلق في الصدارة
بهذا الفوز العريض، رفعت كندا رصيدها إلى 4 نقاط لتعتلي صدارة المجموعة بجدارة، مع فارق أهداف مريح (+6)، مما يضعها في موقف قوي جداً للتأهل إلى الأدوار الإقصائية. في المقابل، تجمد رصيد قطر عند نقطة واحدة في تذيل الترتيب، في مهمة باتت شبه مستحيلة للعبور. لقد كانت ليلة "بي سي بليس" درساً في الإصرار والنجاعة الهجومية، وبرهنت للعالم أن المنتخب الكندي لم يأتِ للمشاركة فحسب، بل للمنافسة وبقوة على أبعد نقطة في هذا المونديال.

