زئير أطلسي في "جيليت": المغرب يروض خيول إسكتلندا بهدف مبكر وصمود تكتيكي
تحت أضواء ملعب جيليت المتلألئة، وفي ليلة مونديالية حبست الأنفاس، نجح المنتخب المغربي في كتابة فصل جديد من فصول تألقه العالمي، بعدما حقق فوزاً ثميناً ومستحقاً على نظيره الإسكتلندي بهدف نظيف. لم تكن مجرد مباراة في دور المجموعات ضمن منافسات كأس العالم 2026، بل كانت معركة تكتيكية بامتياز، أثبت فيها "أسود الأطلس" أنهم رقم صعب في المعادلة الدولية، لينتزعوا ثلاث نقاط غالية رفعت رصيدهم إلى 4 نقاط في صدارة المجموعة، بينما تجمد رصيد إسكتلندا عند 3 نقاط.
بداية كالصاعقة: سحر دياز وإنهاء صيباري
لم يمهل المنتخب المغربي خصمه الإسكتلندي سوى ثوانٍ معدودة ليدخل في أجواء المباراة، فمع إطلاق الحكم الجيز تاتاشيف لصافرة البداية، كشر المغاربة عن أنيابهم مبكراً. وفي الدقيقة الثانية فقط، ومن هجمة منظمة اتسمت بالسرعة والدقة، أرسل النجم إبراهيم دياز تمريرة حاسمة "أسيست" اخترقت الدفاعات الإسكتلندية كالمشرط، لتجد المتربص اسماعيل صيباري الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن هدف التقدم الذي أشعل مدرجات ملعب جيليت بالهتافات المغربية.
هذا الهدف المبكر أربك حسابات المدرب الإسكتلندي ستيف كلارك، الذي وجد فريقه مطالباً بالهجوم أمام منظومة دفاعية مغربية حديدية. حاول المنتخب الإسكتلندي الرد سريعاً عبر تحركات جون ماكجين وأندرو روبرتسون، إلا أن الانضباط التكتيكي لرجال المدرب محمد وهبي كان بالمرصاد. وفي الدقيقة 23، اضطر المدافع المغربي عيسى ديوب لارتكاب خطأ تكتيكي كلفه بطاقة صفراء، في إشارة واضحة إلى الندية البدنية التي طغت على مجريات الشوط الأول.
صراع الوسط ومحاولات كسر الحصار
دخل الفريقان الشوط الثاني والتوتر يسيطر على الأجواء؛ إسكتلندا تبحث عن ثغرة، والمغرب يسعى لتعزيز التقدم أو الحفاظ عليه بذكاء. في الدقيقة 60، قرر ستيف كلارك ضخ دماء جديدة في عروق فريقه، فأخرج كيران تيرني وأشرك الموهبة الشابة بين دواك، في محاولة لتنشيط الرواق الأيمن. ومع زيادة الضغط الإسكتلندي، ظهرت العصبية على القائد أندرو روبرتسون الذي تلقى بطاقة صفراء في الدقيقة 66 نتيجة تدخل قوي، مما عكس حجم الإحباط الذي بدأ يتسلل لصفوف "الجيش الترتاني".
توالت التبديلات من الجانب الإسكتلندي، حيث دخل كيني ماكلين بدلاً من ريان كريستي في الدقيقة 71، ثم تبعه دخول المهاجم القوي ليندون ديكيس بدلاً من تشي ادامز في الدقيقة 74. ورغم هذه التغييرات، ظل الدفاع المغربي صامداً كالجبل، مدعوماً بنسبة استحواذ بلغت 60%، وقدرة فائقة على تدوير الكرة، حيث وصلت دقة تمريرات الأسود إلى 90.3%، مما جعل لاعبي إسكتلندا يركضون خلف الكرة في أغلب فترات الشوط الثاني.
دهاء "وهبي" واللحظات الحاسمة
عندما اقتربت المباراة من منعطفها الأخير، وتحديداً في الدقيقة 84، أجرى المدرب محمد وهبي تبديلاً ثلاثياً ذكياً لإغلاق كافة المنافذ وتجديد طاقة الفريق؛ حيث دفع بـ سفيان رحيمي، أيوب الميموني، وشمس الدين طالبي، بدلاً من أبطال اللقاء إبراهيم دياز، بلال الخنوس، وصاحب الهدف اسماعيل صيباري. هذا التغيير منح المغرب نفساً جديداً في المرتدات وحرم إسكتلندا من بناء هجمات خطيرة من العمق.
في الدقائق الأخيرة، رمى المنتخب الإسكتلندي بكل ثقله، وأشرك أنتوني رالستون وروس ستيوارت بدلاً من ناثان باتيرسون وجون ماكجين في الدقيقة 89، لكن الإحصائيات كانت صادمة للإسكتلنديين؛ فرغم محاولاتهم الست، إلا أنهم فشلوا في توجيه أي تسديدة على المرمى طوال التسعين دقيقة، وهو ما يعكس التفوق الدفاعي الكاسح للمغرب. وفي الدقيقة 90، خرج المايسترو عز الدين اوناحي ليدخل بدلاً منه سمير لمرابط لتأمين وسط الملعب في الدقائق المحتسبة بدلاً من الضائع.
تحليل فني: تفوق الهوية المغربية
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن المنتخب المغربي فرض أسلوبه الخاص؛ فالتمريرات الناجحة التي بلغت 577 تمريرة من أصل 639 تعكس النضج الكروي الكبير للاعبين. في المقابل، عانت إسكتلندا من غياب الحلول الهجومية الفعالة، حيث لم تسعفها العرضيات الـ 11 التي أرسلتها في ظل تفوق المغاربة في الكرات الهوائية، إذ فاز "الأسود" بـ 10 صراعات هوائية مقابل 3 فقط للمنافس.
كانت إدارة الحكم الجيز تاتاشيف للمباراة هادئة وحازمة، حيث تعامل مع الاندفاع البدني الإسكتلندي بحكمة، ولم تخرج المباراة عن السيطرة رغم أهمية النقاط الثلاث. التكتيك الذي اتبعه المنتخب المغربي في الشوط الثاني، بالاعتماد على التمريرات القصيرة (Short passes) والاحتفاظ بالكرة، قتل إيقاع المباراة ومنع الخصم من خلق أي زخم هجومي حقيقي.
الخاتمة: خطوة عملاقة نحو الدور القادم
مع إطلاق صافرة النهاية، أعلن ملعب جيليت عن فوز مغربي تاريخي عزز من فرص "أسود الأطلس" في التأهل للدور الثاني كمتصدرين للمجموعة. هذه النتيجة ليست مجرد فوز عابر، بل هي تأكيد على أن الكرة المغربية تعيش أزهى عصورها من حيث الانضباط التكتيكي والقدرة على تسيير المباريات الكبرى. بالنسبة لإسكتلندا، كانت ليلة قاسية كشفت عن عجز هجومي واضح أمام المنتخبات المنظمة، وسيكون عليهم مراجعة أوراقهم سريعاً إذا أرادوا البقاء في دائرة المنافسة، بينما يرحل المغاربة من الملعب مرفوعي الرأس، حاملين معهم فوزاً سيظل محفوراً في ذاكرة جماهيرهم الوفية.
