ملحمة أتلانتا: أسود الأطلس يروّضون طموح هايتي برباعية مونديالية مثيرة
تحت أضواء استاد أتلانتا المبهرة، وفي ليلة اختلطت فيها مشاعر القلق بزهو الانتصار، سطر المنتخب المغربي فصلاً جديداً من فصول تألقه في نهائيات كأس العالم. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت اختباراً حقيقياً للشخصية المغربية التي رفضت الاستسلام أمام مفاجآت منتخب هايتي الطموح. بنتيجة 4-2، حسم "أسود الأطلس" مواجهة حبست الأنفاس حتى دقائقها الأخيرة، مؤكدين أن الطموح العربي والأفريقي لا سقف له في هذا المحفل العالمي الكبير.
بداية صادمة وزلزال في العرين المغربي
دخل المنتخب المغربي المباراة وعينه على النقاط الثلاث لتعزيز موقعه في المجموعة، وسط مؤازرة جماهيرية غفيرة صبغت مدرجات استاد أتلانتا باللونين الأحمر والأخضر. ومع إطلاق الحكم الهولندي داني ماكيلى صافرة البداية، بدا أن السيطرة المغربية ستكون عنوان اللقاء، لكن كرة القدم كعادتها لا تعترف بالتوقعات. ففي الدقيقة العاشرة، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ خطأ دفاعي غير متوقع أسفر عن هدف عكسي سكن شباك الحارس الخبير ياسين بونو، ليجد المغاربة أنفسهم متأخرين بهدف نظيف في وقت مبكر جداً.
هذا الهدف المفاجئ لم يربك حسابات المدرب محمد وهبي فحسب، بل أعطى جرعة ثقة هائلة للاعبي هايتي الذين تكتلوا في مناطقهم الدفاعية، معتمدين على الهجمات المرتدة السريعة. استمر الضغط المغربي لفك شفرات الدفاع الحصين، وسط محاولات من إبراهيم دياز وأيوب الكعبي، لكن اللمسة الأخيرة كانت تفتقد للدقة المطلوبة أمام استبسال الحارس الهايتي جوني بلاسيد.
انتفاضة القائد وسيناريو الشوط الأول المجنون
ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، وتحديداً في الدقيقة 39، قرر القائد أشرف حكيمي أن يأخذ زمام المبادرة. بمهارة فائقة وتسديدة لا ترد، أدرك حكيمي هدف التعادل، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر ويلهب حماس الجماهير في المدرجات. لكن الفرحة المغربية لم تدم طويلاً، إذ استغل منتخب هايتي غفوة دفاعية في الدقيقة 43، لينجح ويلسون إيزيدور في تسجيل الهدف الثاني بعد تمريرة حاسمة من جون كيفين دوفيرنى، واضعاً "الأسود" في مأزق حقيقي مرة أخرى.
رفض المغاربة الخروج إلى غرف الملابس وهم متأخرون، وفي الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع للشوط الأول (45+1)، أرسل حكيمي عرضية متقنة ارتقى لها اسماعيل صيباري ليودعها الشباك، معلناً عن تعادل مثير بهدفين لمثلهما، في شوط كان عنوانه التقلبات الدراماتيكية والأعصاب المشدودة.
دهاء "وهبي" والبدلاء يصنعون الفارق
في الشوط الثاني، دخل المنتخب المغربي برغبة جامحة في حسم الأمور، وسيطر بالطول والعرض على مجريات اللعب، حيث وصلت نسبة الاستحواذ إلى 71%. ومع استمرار التعادل، قرر المدرب محمد وهبي إجراء تغييرات تكتيكية جوهرية في الدقيقة 70، حيث دفع بالثلاثي سفيان رحيمي، وعز الدين أوناحي، وجيسمي ياسين بدلاً من صيباري ودياز والكعبي. كانت هذه التبديلات هي "كلمة السر" التي غيرت وجه المباراة تماماً.
ولم يتأخر تأثير البدلاء كثيراً، ففي الدقيقة 78، ومن تمريرة ذكية للمدافع شادي رياض، انسل سفيان رحيمي خلف المدافعين ليسجل الهدف الثالث ببراعة، معلناً تقدم المغرب لأول مرة في اللقاء. هذا الهدف تسبب في حالة من التوتر للاعبي هايتي، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه كل من ديوكنز نازون والحارس جوني بلاسيد في الدقيقة 79 نتيجة الاعتراض والتدخلات الخشنة.
رصاصة الرحمة وتأكيد السيادة
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، ومنتخب هايتي يحاول يائساً إدراك التعادل عبر تبديلات أجراها المدرب سيباستيان ميني، جاءت رصاصة الرحمة المغربية في الدقيقة 89. البديل جيسمي ياسين، وبصناعة من المتألق سفيان رحيمي، نجح في تسجيل الهدف الرابع بعد تأكيد من تقنية الفيديو (VAR)، ليحسم الجدل تماماً ويؤمن النقاط الثلاث للمنتخب المغربي.
تميزت الدقائق الأخيرة بالندية العالية، وشهدت الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع بطاقة صفراء للاعب هايتي خوسيه كازيمير، لكن الصافرة النهائية لداني ماكيلى كانت هي اللحظة المنتظرة ليعلن عن فوز مغربي مستحق. لغة الأرقام كانت تنصف "الأسود" بوضوح، فبجانب الاستحواذ الكاسح، سدد المنتخب المغربي 15 تسديدة منها 8 على المرمى، مقابل تسديدة وحيدة فقط على المرمى لمنتخب هايتي من أصل 5 محاولات.
الخاتمة: زئير الأسود يتردد في الآفاق
بهذا الانتصار العريض، رفع المنتخب المغربي رصيده إلى 7 نقاط، محتلاً المركز الثاني في مجموعته بعد ثلاث مباريات خاضها بروح قتالية عالية (فوزان وتعادل). لم تكن النتيجة مجرد فوز عابر، بل كانت رسالة طمأنة للجماهير المغربية بأن المنتخب يمتلك دكة بدلاء قوية قادرة على تغيير الموازين في أصعب الظروف. بينما ودعت هايتي اللقاء بمرارة الخسارة الثالثة، يبقى زئير "أسود الأطلس" يتردد في سماء مونديال 2026، حاملين معهم أحلام الملايين نحو الأدوار الإقصائية بثبات وثقة.
