إعصار "الماكينات" يجتاح هيوستن: ألمانيا تستعرض عضلاتها بسباعية في شباك كوراساو
تحت أضواء ملعب "إن ار جي ستاديوم" المبهرة بمدينة هيوستن، ووسط ترقب آلاف المشجعين الذين ملأوا المدرجات صخباً وحماساً، شهدت بطولة كأس العالم فصلاً جديداً من فصول القوة الكروية الألمانية. لم تكن مجرد مباراة في دور المجموعات، بل كانت استعراضاً مهيباً للقوة، حيث أمطر المنتخب الألماني شباك نظيره منتخب كوراساو بسبعة أهداف مقابل هدف وحيد، في ليلة تجلت فيها عبقرية "الماكينات" الألمانية وقدرتها على تحويل المستطيل الأخضر إلى مسرح للعزف المنفرد.
بداية هادرة وصدمة لم تدم طويلاً
منذ صافرة البداية التي أطلقها الحكم المغربي جلال جيد، بدا واضحاً أن كتيبة المدرب الشاب جوليان نجلسمان لم تأتِ للنزهة. لم تمضِ سوى ست دقائق حتى اهتزت الشباك للمرة الأولى؛ حيث أرسل الموهوب فلوريان فيرتز تمريرة حريرية وضعت فيليكس كالو نميتشا في مواجهة المرمى، ليودعها الأخير الشباك معلناً عن تقدم مبكر للألمان. ظن الجميع أن الطريق بات ممهداً لمهرجان أهداف سهل، إلا أن منتخب كوراساو، تحت قيادة الثعلب العجوز ديك أدفوكات، كان له رأي آخر في تلك اللحظات.
في الدقيقة 21، حدث ما لم يتوقعه أكثر المتفائلين من أنصار كوراساو؛ هجمة مرتدة منظمة انتهت عند أقدام ليفانو كومينينسيا الذي سدد كرة سكنت الشباك الألمانية، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. ساد صمت مؤقت في الجانب الألماني من المدرجات، بينما انفجرت دكة بدلاء كوراساو فرحاً بهذا الإنجاز التاريخي أمام بطل عالمي سابق. كانت تلك اللحظة بمثابة "وخزة" أيقظت العملاق الألماني من غفوته، لتبدأ رحلة الرد القاسي.
الماكينات تستعيد السيطرة قبل الاستراحة
استشعر الألمان الخطر، ففرضوا حصاراً خانقاً على مناطق كوراساو، ووصلت نسبة الاستحواذ إلى 65%، مع اعتماد كلي على التمريرات القصيرة والمتقنة التي بلغت دقتها 87%. وفي الدقيقة 38، ومن ركلة ركنية نفذها ناثانيال براون بإتقان، ارتقى المدافع نيكو شلوتيربيك فوق الجميع ليوجه رأسية قوية استقرت في المرمى، معيداً التقدم لمنتخب بلاده.
وبينما كان الشوط الأول يلفظ أنفاسه الأخيرة، وفي الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع، احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح ألمانيا. انبرى لها القناص كاي هافرتز بهدوء وثقة، واضعاً الكرة في زاوية والحارس في زاوية أخرى، ليدخل الألمان غرف الملابس بتقدم مريح بنتيجة ثلاثة أهداف لهدف، وسط ملامح الحسرة التي بدت على وجوه لاعبي كوراساو الذين صمدوا طويلاً قبل أن ينهاروا في الأمتار الأخيرة من الشوط.
الشوط الثاني: طوفان لا يتوقف وإبداع "موسيالا"
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى أدفوكات تبديلاً بخروج سونتجي هانسن ودخول جيريمي أنتونيس في محاولة لترميم الصفوف، لكن الإعصار الألماني كان أسرع من أي تنظيم دفاعي. في الدقيقة 47، وبلمسة ساحرة من جوشوا كيميتش، تسلم جمال موسيالا الكرة وتلاعب بالدفاع قبل أن يسجل الهدف الرابع، مؤكداً أن الليلة ستكون قاسية جداً على الضيوف.
استمر الضغط الألماني وتوالت الفرص، حيث سدد لاعبو ألمانيا 26 كرة على المرمى طوال اللقاء. وفي الدقيقة 64، قرر نجلسمان إراحة موسيالا والدفع بـ دنيز اونداف، وهو التبديل الذي غير شكل الهجوم الألماني وزاده حدة. ولم تمر سوى أربع دقائق حتى نجح ناثانيال براون في تدوين اسمه بكشوف الهدافين في الدقيقة 68 بعد تمريرة من اونداف، وهو الهدف الذي أكدته تقنية الفيديو (VAR) وسط ترقب مشوب بالحذر من اللاعبين.
دنيز اونداف.. البديل الذهبي يختم المهرجان
في الدقيقة 73، أجرى نجلسمان سلسلة تبديلات دفعة واحدة، بإشراك أنطونيو روديجير، ليون جوريتزكا، ودافيد راوم، بدلاً من تاه ونميتشا وبراون، لضخ دماء جديدة في عروق الفريق. واصل البديل دنيز اونداف تألقه اللافت، فبعد صناعته لهدف، قرر أن يسجل بنفسه في الدقيقة 78 مستغلاً تمريرة أخرى من القائد كيميتش، لتصبح النتيجة ستة أهداف لهدف.
ورغم محاولات كوراساو اليائسة لتقليص الفارق عبر تبديلات أدفوكات بدخول جيرل مارجريتا وجيرفاني كاستانير، إلا أن الفوارق الفنية والبدنية كانت شاسعة. وفي الدقيقة 88، أبى كاي هافرتز إلا أن يختم المهرجان بهدفه الشخصي الثاني والسابع لفريقه، بعد عمل جماعي رائع وتمريرة حاسمة ثانية من المتألق اونداف، لينتهي اللقاء بملحمة كروية ألمانية خالصة.
تحليل تكتيكي وخاتمة المشهد
أثبت جوليان نجلسمان في هذه المباراة أن منتخبه يمتلك تنوعاً هجومياً مرعباً؛ فالتسجيل جاء من المدافعين، ولاعبي الوسط، والمهاجمين، وحتى البدلاء. التكتيك الألماني اعتمد على تضييق المساحات والضغط العالي المستمر، مما أجبر لاعبي كوراساو على ارتكاب 42 عملية تشتيت للكرة تحت الضغط. في المقابل، قدم منتخب كوراساو مباراة شجاعة في بدايتها، لكنه استسلم تماماً أمام فيض المهارات الفردية والجماعية لخصمه.
بهذه النتيجة العريضة (7-1)، وجهت ألمانيا رسالة شديد اللهجة لجميع المنافسين في كأس العالم، مؤكدة أنها جاءت لاستعادة عرشها المفقود. تصدرت ألمانيا مجموعتها بثلاث نقاط كاملة وفارق أهداف مريح جداً، بينما سيتعين على كوراساو لملمة جراحها والبحث عن تعويض في المباريات القادمة، بعد ليلة ستظل محفورة في ذاكرة لاعبيها كأحد أصعب الاختبارات التي واجهوها في مسيرتهم الدولية.

