إعصار الساموراي يجتاح حصون القرطاجيين: اليابان تُبهر وتونس تتعثر في ليلة مونديالية قاسية
تحت أضواء ملعب بي بي في إيه المتلألئة، وفي ليلة كان يُنتظر منها أن تكون بوابة العبور لنسور قرطاج نحو المجد المونديالي، رسم المنتخب الياباني لوحة كروية عنوانها الدقة والسرعة والانضباط، لينتهي اللقاء بفوز عريض ومستحق لمنتخب "الساموراي الأزرق" بـ أربعة أهداف دون رد. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت استعراضاً للقوة الآسيوية التي لم تترك مجالاً للصدفة، في مواجهة كتيبة المدرب هيرفي رينارد التي بدت تائهة أمام الأمواج اليابانية المتلاطمة في دور المجموعات من كأس العالم.
أجواء ما قبل الصافرة: طموح رينارد في مواجهة هدوء مورياسو
دخلت تونس المباراة وهي تحمل على عاتقها آمال الملايين من عشاق الكرة العربية والإفريقية، مدعومة بخبرة "الثعلب" الفرنسي هيرفي رينارد الذي يعرف خبايا المونديال جيداً. في المقابل، كان هاجيم مورياسو يقف بهدوئه المعتاد، واثقاً في منظومته التكتيكية التي تعتمد على التحول السريع والضغط العالي. كانت التوقعات تشير إلى معركة بدنية طاحنة في وسط الميدان، لكن ما حدث على أرض الواقع كان قصة مغايرة تماماً، حيث فرض اليابانيون إيقاعهم الخاص منذ اللحظة التي أطلق فيها الحكم الدولي إشتفان كوفاتش صافرة البداية.
الشوط الأول: لدغة مبكرة وزلزال في الدفاع التونسي
لم يمهل اليابانيون خصمهم سوى أربع دقائق فقط ليعلنوا عن نواياهم الهجومية الكاسحة. فمن جملة تكتيكية اتسمت بالسرعة الفائقة، أرسل كيتو ناكامورا تمريرة حاسمة وضعت دايتشي كامادا في مواجهة المرمى، ليودعها الأخير الشباك ببرود أعصاب يُحسد عليه في الدقيقة 4. هذا الهدف المبكر بعثر أوراق رينارد تماماً، وأجبر المنتخب التونسي على الخروج من مناطقه، مما ترك مساحات شاسعة استغلها اليابانيون ببراعة.
استمر الاستحواذ الياباني الذي وصل إلى 62%، وسط عجز تونسي عن مجاراة السرعة الآسيوية. وفي الدقيقة 31، ومن ركلة ركنية أو كرة عرضية متقنة من المدافع كو ايتاكورا، ارتقى القناص اياسي أويدا فوق الجميع ليودع الكرة برأسه في المرمى التونسي، معلناً عن الهدف الثاني. انتهى الشوط الأول والنتيجة تشير إلى تأخر النسور بهدفين، والأهم من ذلك، غياب تام للفاعلية الهجومية التونسية التي لم تسجل أي تسديدة على المرمى طوال هذا الشوط.
الشوط الثاني: محاولات رينارد واكتمال السيمفونية اليابانية
مع بداية الشوط الثاني، حاول هيرفي رينارد تدارك الموقف عبر إجراء تبديلات فورية، حيث سحب ديلان برون وإلياس سعد ليدفع بـ محمد أمين بن حميدة والشاب إسماعيل غربي، على أمل تنشيط الجبهة الهجومية وضبط الإيقاع الدفاعي. تحسن أداء تونس طفيفاً من حيث الاستحواذ، لكن الخطورة بقيت غائبة تماماً أمام دفاع ياباني صلب لا يعرف الهوادة.
وفي الوقت الذي كانت فيه تونس تبحث عن هدف تقليص الفارق، وجه المنتخب الياباني ضربة قاضية في الدقيقة 69؛ حيث تبادل اياسي أويدا الأدوار وقدم تمريرة سحرية لزميله جونيا اتو الذي لم يتوانَ عن تسجيل الهدف الثالث، وسط ذهول الجماهير التونسية الحاضرة. لم يتوقف الإعصار عند هذا الحد، ففي الدقيقة 83، عاد النجم اياسي أويدا ليبصم على ثنائيته الشخصية والهدف الرابع لفريقه بعد تمريرة من كايشو سانو، ليؤكد تفوق اليابان المطلق في هذه الأمسية.
التحليل التكتيكي: دقة الساموراي في مواجهة انكسار النسور
الأرقام لا تكذب، فقد كانت هذه المباراة تجسيداً للكفاءة اليابانية؛ حيث بلغت دقة التمرير لدى اليابان 97.7%، وهو رقم مذهل يعكس مدى السيطرة والهدوء في بناء اللعب. في المقابل، عانت تونس بشكل صارخ في صناعة الفرص، حيث انتهت المباراة بـ صفر تسديدات على المرمى لنسور قرطاج، وهو إحصاء مؤلم يعكس العقم الهجومي الذي واجهه رينارد في هذه المواجهة.
التبديلات التي أجراها مورياسو في الدقائق الأخيرة، بدخول يوكينارى سوجاوارا ويونوسوكي سوزوكي ويويتو سوزوكي، كانت تهدف للحفاظ على الحيوية البدنية ومنع تونس من أي رد فعل شرفي. أما رينارد، فقد استنفد حلوله بإشراك فراس شواط وراني خضيرة وإلياس العاشوري في اللحظات الأخيرة، لكن المباراة كانت قد حُسمت بالفعل لصالح "الكمبيوتر الياباني" الذي عمل بأعلى طاقة ممكنة.
الخاتمة: اليابان تحلق وتونس في مهب الريح
بهذه النتيجة المدوية، رفعت اليابان رصيدها إلى 4 نقاط، لتعزز آمالها بقوة في التأهل إلى الدور القادم، مقدمةً أداءً يُنذر بقية المنافسين بأن الساموراي جاء للمنافسة لا للمشاركة فقط. أما تونس، فقد تجمد رصيدها عند صفر من النقاط بعد خسارتين متتاليتين، لتصبح مهمتها في البقاء داخل دائرة المنافسة شبه مستحيلة. لقد كانت ليلة قاسية على رفاق إلياس سخيري، ودرساً كروياً بليغاً في كيفية استغلال الفرص والسيطرة على رقعة الميدان، ليبقى السؤال المطروح في الشارع الرياضي التونسي: ما الذي حدث لنسور قرطاج في "بي بي في إيه"؟

