ريمونتادا "محاربي الصحراء" تكسر صمود "النشامى" في ليلة مونديالية صاخبة
في ليلةٍ لم تكن كغيرها من ليالي المونديال، وتحت أضواء استاد سان فرانسيسكو باي أرينا المبهرة، حبست الجماهير العربية أنفاسها وهي تتابع فصلاً من فصول الإثارة الكروية الخالصة. كانت المواجهة بين المنتخبين الأردني والجزائري أكثر من مجرد مباراة في دور المجموعات لكأس العالم؛ كانت صراعاً على الهوية والكبرياء الكروي. وفي نهاية ملحمة كروية امتدت لـ 99 دقيقة، استطاع المنتخب الجزائري أن يقلب تأخره إلى فوز ثمين بنتيجة 2-1، ليخطف نقاطاً غالية في سباق التأهل، تاركاً النشامى في حسرة على ضياع تقدم كان يبدو قريباً من التحول إلى معجزة.
أجواء ما قبل الصدام: عبق الشرق في قلب كاليفورنيا
منذ الساعات الأولى التي سبقت صافرة الحكم السلوفيني سلافكو فينسيس، كانت الأجواء في محيط الملعب تشير إلى أننا بصدد مباراة استثنائية. تلونت المدرجات باللونين الأخضر والأبيض من جهة، والأحمر والأبيض من جهة أخرى، وسط أهازيج هزت أركان سان فرانسيسكو. دخل المنتخب الأردني بقيادة مدربه جمال السلامي وهو يطمح لإثبات تطور الكرة الأردنية، بينما كان فلاديمير بيتكوفيتش يعلم أن أي تعثر لـ "محاربي الصحراء" قد يعني تعقيد الحسابات المونديالية مبكراً. التوقعات كانت تصب في مصلحة الجزائر عطفاً على الأسماء، لكن الروح القتالية للأردنيين كانت توحي بمفاجأة مدوية.
الشوط الأول: صاعقة أردنية في سماء سان فرانسيسكو
بدأت المباراة بضغط جزائري متوقع، حيث سيطر رفاق رياض محرز على وسط الميدان، محاولين فك شفرات الدفاع الأردني المتكتل والمنظم. وعلى الرغم من الاستحواذ الجزائري الذي وصل في مجمله إلى 74%، إلا أن المرتدات الأردنية كانت كخناجر حادة تهدد مرمى الخصم. وفي الدقيقة 36، انفجر الملعب فرحاً عندما انطلق النجم موسى التعمري بمهارة فائقة، مراوغاً الدفاع الجزائري قبل أن يرسل تمريرة سحرية وضعت نزار آل رشدان في مواجهة المرمى، ليودعها الأخير الشباك ببراعة معلناً تقدم الأردن.
هذا الهدف أربك حسابات بيتكوفيتش، وبدأ التوتر يظهر على لاعبي الجزائر، وهو ما تجلى في البطاقة الصفراء التي نالها رامز زروقي في الدقيقة 44 بعد تدخل خشن لإيقاف إحدى المرتدات. انتهى الشوط الأول بتقدم تاريخي للأردن، وسط ذهول في المعسكر الجزائري الذي لم يجد حلولاً ناجعة أمام بسالة الدفاع الأردني الذي شتت 9 كرات خطيرة وحرم المهاجمين من الوصول للمرمى.
الشوط الثاني: تبديلات بيتكوفيتش تقلب الطاولة
مع انطلاق الشوط الثاني، أدرك بيتكوفيتش أن عليه التدخل فوراً، فأجرى تبديلين دفعة واحدة بخروج زروقي وهشام بوداوي، ودخول نبيل بن طالب والقناص نذير بن بو علي. هذا التغيير أعطى نفساً جديداً للهجوم الجزائري، وزاد من حدة الضغط. في المقابل، حاول جمال السلامي الحفاظ على تقدمه، لكن الضغط المتواصل أدى لحصول حسام ابو الدهب على بطاقة صفراء في الدقيقة 64.
وفي الدقيقة 69، جاءت لحظة الانفراج للجزائريين؛ حيث أرسل القائد رياض محرز عرضية متقنة ارتقى لها البديل الناجح نذير بن بو علي، ليسكنها الشباك برأسية قوية لم يستطع الحارس الأردني فعل شيء حيالها. لم يكتفِ المحاربون بالتعادل، بل استمر الهجوم الكاسح، وفي الدقيقة 82، ومن هجمة منظمة، نجح أمين جويري في تسجيل الهدف الثاني. ساد الصمت للحظات بانتظار قرار تقنية الفيديو (VAR)، وبعد ثوانٍ بدت كالساعات، أكد الحكم صحة الهدف، لتشتعل مدرجات الجزائر فرحاً بريمونتادا طال انتظارها.
التحليل التكتيكي: صراع العقول بين السلامي وبيتكوفيتش
كانت المباراة صراعاً تكتيكياً بامتياز؛ جمال السلامي اعتمد على دفاع المنطقة والتحول السريع من الدفاع للهجوم، مستغلاً سرعة التعمري، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد لولا تراجع اللياقة البدنية في الدقائق الأخيرة. إحصائياً، سدد الأردن 8 كرات منها 4 على المرمى، مما يعكس فاعلية هجومية رغم قلة الاستحواذ. أما بيتكوفيتش، فقد أظهر مرونة تكتيكية عالية، حيث أثمرت تبديلاته عن تسجيل هدف وصناعة زخم هجومي كبير، حيث سدد فريقه 12 كرة، منها 6 بين القائمين والعارضة.
حاول السلامي إنقاذ الموقف بسلسلة من التبديلات في الدقائق العشر الأخيرة، بإدخال عوده الفاخوري، علي عزايزة، ومحمد أبو حشيش، ثم سليم عبيد ومحمد ابو زريق في الوقت بدل الضائع، لكن الخبرة الجزائرية كانت كفيلة بامتصاص الحماس الأردني. الجزائر قامت بتمرير 502 تمريرة بدقة وصلت لـ 88%، مما مكنها من تدوير الكرة وقتل الوقت في اللحظات الحرجة، خاصة بعد خروج جويري ومحرز ودخول عناصر دفاعية مثل زين الدين بلعيد وجوان حجام لتأمين النتيجة.
الخاتمة: المحاربون يتنفسون الصعداء والنشامى يرفعون الرؤوس
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية بعد 9 دقائق من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، سقط لاعبو الأردن على الأرض من شدة التعب والحزن، فقد كانوا قاب قوسين أو أدنى من الخروج بنقطة على الأقل. هذه النتيجة رفعت رصيد الجزائر إلى 3 نقاط، لتعيد إحياء آمالها في المجموعة، بينما بقي الأردن بلا نقاط رغم الأداء البطولي الذي قدمه. لقد كانت مباراة أثبتت أن كرة القدم لا تعترف إلا بالخواتيم، وأن الروح القتالية التي أظهرها النشامى ستظل عالقة في الأذهان، تماماً كما ستظل ريمونتادا المحاربين درساً في الإصرار حتى الرمق الأخير.

