جنون في كانساس سيتي: محاربو الصحراء والنمسا يكتبون ملحمة كروية بستة أهداف
حين أطلق الحكم "تانتشيف اليجيز" صافرة النهاية في ليلة كانساس سيتي الصاخبة، لم يكن الجمهور في المدرجات يصدق ما رآه للتو. لم تكن مجرد مباراة في دور المجموعات لكأس العالم، بل كانت قصيدة كروية كُتبت فصولها بالعرق والدموع والإثارة التي لا تتوقف. في مواجهة حبست الأنفاس حتى الثانية الأخيرة، افترق المنتخبان الجزائري والنمساوي بنتيجة التعادل الإيجابي (3-3)، في مباراة ستبقى خالدة في أذهان عشاق "الخضر" والنمساويين على حد سواء، لتعكس قيمة وجمال الساحرة المستديرة في أبهى صورها.
أجواء ما قبل المعركة: كانساس تتزين بالأخضر
منذ الساعات الأولى للصباح، غصت شوارع مدينة كانساس سيتي الأمريكية بالجماهير الجزائرية التي جاءت من كل حدب وصوب، رافعة الأعلام الخضراء ومهتفة بشعارات "وان تو ثري فيفا لالجيري". في المقابل، كان الجمهور النمساوي حاضراً بهدوئه المعتاد وثقته الكبيرة في كتيبة المدرب المحنك رالف رانجنيك. التوقعات كانت تشير إلى صراع تكتيكي بين المدرسة الضاغطة لرانجنيك والأسلوب المتوازن الذي يتبعه فلاديمير بيتكوفيتش مع المنتخب الجزائري، لكن أحداً لم يتوقع أن تتحول المباراة إلى مهرجان للأهداف وتغير الدراما في اللحظات الأخيرة.
الشوط الأول: صدمة نمساوية ورد جزائري صاعق
بدأت المباراة بضغط نمساوي شرس، حيث حاول رفاق دافيد ألابا فرض أسلوبهم منذ البداية. وفي الدقيقة 11، ظهر التوتر جلياً حين تلقى المهاجم المخضرم ماركو أرناتوفيتش بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، كأنها كانت إنذاراً باشتعال الصراع. ولم تمر سوى دقائق حتى ترجم النمساويون أفضليتهم؛ ففي الدقيقة 28، ومن تمريرة حريرية من القائد دافيد ألابا، نجح ماركو أرناتوفيتش في هز الشباك الجزائرية، معلناً تقدم النمسا بهدف أول أشعل حماس مدرجاتهم.
المنتخب الجزائري لم يستسلم، وبدأ في تنظيم صفوفه بقيادة المايسترو رياض محرز. وبينما كان الجميع يستعد للذهاب إلى غرف الملابس، وفي الدقيقة 45 تماماً، أرسل محرز عرضية متقنة ارتقى لها رفيق بلغالي ببراعة، واضعاً الكرة في الشباك النمساوية. هذا الهدف كان بمثابة جرعة أكسجين للمحاربين، حيث أعاد المباراة لنقطة الصفر قبل صافرة نهاية الشوط الأول.
الشوط الثاني: تقلبات مجنونة وتألق القائد
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى رالف رانجنيك ثلاثة تبديلات دفعة واحدة، في محاولة لاستعادة السيطرة، حيث دخل "باول فانر" و"فلوريان جريليتش" و"مايكل جيجوريتش". وبالفعل، آتت هذه التغييرات ثمارها سريعاً؛ ففي الدقيقة 55، ومن تمريرة من "كونراد ليمار"، أطلق مارسيل سابيتزر قذيفة سكنت شباك الجزائر، ليعيد التقدم للنمسا (2-1). لكن الرد الجزائري لم يتأخر، فبعد خمس دقائق فقط، وفي الدقيقة 60، استغل رياض محرز تمريرة ذكية من حسام عوار ليسجل هدف التعادل الثاني، مشعلاً مدرجات "الخضر" من جديد.
دخلت المباراة مرحلة من الحذر والتبديلات التكتيكية، حيث دفع بيتكوفيتش بكل من "ريان أيت نوري" و"زين الدين بلعيد" و"سمير شرقي" في الدقيقة 71 لتأمين الدفاع وضخ دماء جديدة في الوسط. في المقابل، خرج القائد النمساوي دافيد ألابا في الدقيقة 62 ليترك مكانه لـ"كيفين دانسو". ظن الجميع أن المباراة تتجه للتعادل، لكن الجنون الحقيقي كان يخبئ نفسه للدقائق الأخيرة.
دراما الوقت الضائع: عندما ترفض الكرة الاستسلام
في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع (90+3)، اعتقد الجميع أن الجزائر حسمت الملحمة. تمريرة سحرية أخرى من حسام عوار وضعت رياض محرز في مواجهة المرمى، ليوقع "فخر العرب" على هدفه الشخصي الثاني والثالث لبلاده. انفجرت الفرحة في دكة بدلاء الجزائر، وبدا أن النقاط الثلاث باتت في الجيب. لكن رالف رانجنيك لعب ورقته الأخيرة بإشراك ساشا كالايدزيتش في الدقيقة 90+5.
وفي الدقيقة السادسة بعد التسعين (90+6)، وبينما كان الحكم يستعد لإطلاق صافرة النهاية، حدثت المعجزة النمساوية. تمريرة من البديل "مايكل جيجوريتش" وصلت إلى ساشا كالايدزيتش الذي لم يتوانَ في وضعها داخل المرمى، مسجلاً هدف التعادل القاتل (3-3). صمت مطبق خيم على الجانب الجزائري، بينما انفجر البدلاء النمساويون فرحاً بهذا السيناريو الهوليودي.
تحليل فني: تفوق جزائري في الاستحواذ ونجاعة نمساوية
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن المنتخب الجزائري كان الأكثر سيطرة على مجريات اللعب، حيث بلغت نسبة استحواذه 57% مقابل 43% للنمسا. كما مرر لاعبو "الخضر" 410 تمريرة ناجحة، مما يعكس رغبة بيتكوفيتش في بناء اللعب من الخلف. الجزائر كانت الأكثر محاولة على المرمى بـ 11 تسديدة (4 منها على المرمى)، بينما تميز المنتخب النمساوي بالنجاعة القصوى، حيث سجل 3 أهداف من أصل تسديدتين فقط على المرمى طوال المباراة، وهو رقم يوضح مدى استغلالهم للأخطاء الدفاعية.
لعبت التبديلات دوراً محورياً؛ فبينما أعطى دخول أيت نوري توازناً للجزائر، كان تبديل رانجنيك الأخير بإدخال كالايدزيتش هو "ضربة المعلم" التي أنقذت النمسا من الهزيمة. المباراة اتسمت أيضاً بالندية البدنية، حيث ارتكب لاعبو النمسا 6 أخطاء مقابل خطأين فقط للجزائر، مع وجود حالة تسلل ثلاث مرات على الجانب النمساوي.
الخاتمة: نقطة بطعم الخسارة أم مكسب للمستقبل؟
بهذا التعادل المثير، رفع كل منتخب رصيده إلى 4 نقاط في دور المجموعات، لتستقر النمسا في المركز الثاني والجزائر في المركز الثالث بفارق الأهداف. بالنسبة للمحاربين، فإن استقبال هدف في الثانية الأخيرة يترك غصة في القلوب، خاصة بعد التألق اللافت لرياض محرز وحسام عوار. أما بالنسبة للنمسا، فإن هذه النقطة هي بمثابة انتصار معنوي كبير يعزز فرصهم في التأهل. لقد أثبتت هذه المباراة أن كأس العالم لا تعترف بالتوقعات، وأن الصافرة هي الوحيدة التي تنهي القصة، وفي كانساس سيتي، كانت القصة مثيرة لدرجة أن أحداً لم يكن يريد لها أن تنتهي.

