ملحمة تكساس: إنجلترا تروض "النيران" الكرواتية في ليلة مونديالية صاخبة
تحت أضواء "ملعب إيه تي آند تي" المبهرة، وفي ليلة تجلت فيها فنون كرة القدم بأبهى صورها، شهد عشاق الساحرة المستديرة فصلاً جديداً من فصول الإثارة المونديالية. لم تكن مجرد مباراة في دور المجموعات بكأس العالم، بل كانت معركة تكتيكية وبدنية طحن فيها "الأسود الثلاثة" كبرياء "الناريين" الكروات بنتيجة عريضة قوامها أربعة أهداف مقابل هدفين، في مواجهة حبست الأنفاس حتى صافرة النهاية التي أطلقها الحكم الفرنسي الخبير كليمان توربان.
بداية عاصفة وزئير مبكر للأسود
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن كتيبة المدرب الألماني توماس توخيل دخلت الميدان وفي جعبتها مخطط هجومي لا يرحم. لم تمضِ سوى اثنتي عشرة دقيقة حتى اهتزت مدرجات الملعب العملاق؛ حيث انبرى القائد هاري كين لتنفيذ ركلة جزاء حصل عليها الإنجليز بذكاء، ليضعها ببرود أعصابه المعتاد في الشباك الكرواتية، معلناً عن أول أهداف اللقاء ومشعلاً حماس الجماهير الإنجليزية التي لم تتوقف عن الغناء.
لكن المنتخب الكرواتي، بقيادة مدربه المحنك زلاتكو داليتش، لا يعرف الاستسلام بسهولة. بدأت الماكينة الكرواتية في الدوران، وبدأت التمريرات القصيرة المتقنة تخلخل الدفاع الإنجليزي. وفي الدقيقة السادسة والثلاثين، نجح الشاب الموهوب مارتن باتورينا في إدراك التعادل بعد جملة فنية رائعة بدأت بلمسة سحرية من بيتار سوشيتش، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر ويزرع الشك في نفوس عشاق المنتخب الإنجليزي.
جنون الدقائق الأخيرة وصراع البقاء
لم يهنأ الكروات بالتعادل طويلاً، فقد كان لـ "الأسود" رأي آخر قبل التوجه لغرف الملابس. وفي الدقيقة الثانية والأربعين، ظهر هاري كين مجدداً كبطل للمشهد، مستغلاً تمريرة حاسمة ومتقنة من "محرك" وسط الميدان ديكلان رايس، ليسكن الكرة الشباك ببراعة فائقة، معلناً تقدم إنجلترا بهدفين لهدف. وبينما كان الجميع يستعد لصافرة نهاية الشوط الأول، وفي الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع، صعق بيتر موسى الجميع بهدف تعادل مباغت لكرواتيا، مستفيداً من عرضية متقنة أرسلها المخضرم إيفان بيريسيتش، لينتهي الشوط الأول المثير بالتعادل الإيجابي 2-2 وسط ذهول الحاضرين.
بيلينجهام يفتتح فصلاً جديداً من الهيمنة
مع انطلاقة الشوط الثاني، لم يمنح الإنجليز خصمهم فرصة لالتقاط الأنفاس. ففي الدقيقة السابعة والأربعين، وبلمحة فنية تدرس، انقض النجم الشاب جود بيلينجهام على تمريرة إيليوت أندرسون ليودعها المرمى، معيداً التقدم للإنجليز ومثبتاً أقدام فريقه في المباراة. هذا الهدف المبكر في الشوط الثاني كان له مفعول السحر، حيث فرضت إنجلترا سيطرة شبه مطلقة على مجريات اللعب، ووصلت نسبة استحواذها إلى 53%، مع شن هجمات متتالية بلغت 20 تسديدة إجمالية، منها 10 تسديدات مباشرة على المرمى الكرواتي.
شعر داليتش بالخطر، فقام بإجراء تبديلات اضطرارية وجريئة، كان أبرزها خروج القائد الأسطوري لوكا مودريتش في الدقيقة الثامنة والخمسين ليدفع بماتيو كوفاسيتش، طمعاً في ضخ دماء جديدة في وسط الملعب. وتوالت التبديلات الكرواتية بدخول ماركو باشاليتش وإيجور ماتانوفيتش، لكن الدفاع الإنجليزي بقيادة جون ستونز كان بالمرصاد لكل المحاولات الكرواتية الخجولة التي لم تسفر إلا عن 4 تسديدات فقط على المرمى طوال اللقاء.
دهاء توخيل والضربة القاضية
أثبت توماس توخيل أنه يمتلك دكة بدلاء مرعبة، ففي الدقيقة الثانية والسبعين، أجرى "تغييراً جذرياً" بدخول الثلاثي ماركوس راشفورد، وبوكايو ساكا، ومورجان روجرز. هذا التغيير قلب الموازين تماماً وزاد من سرعة الإيقاع الإنجليزي بشكل لم يستطع الدفاع الكرواتي المنهك مجاراته. وفي الدقيقة الخامسة والثمانين، ومن هجمة مرتدة نموذجية، أرسل البديل بوكايو ساكا كرة عرضية "على المقاس" لزميله ماركوس راشفورد، الذي لم يتوانَ في وضعها داخل الشباك، محرزاً الهدف الرابع ومطلقاً رصاصة الرحمة على آمال كرواتيا في العودة.
الدقائق الأخيرة شهدت محاولات يائسة من كرواتيا، حيث دفع داليتش بأندري كراماريتش ونيكولا فلاستش، لكن التنظيم الدفاعي الإنجليزي كان مثالياً. حتى عندما خرج جون ستونز في الدقيقة السابعة والثمانين ليدخل مارك جيهي، ظل الحصن الإنجليزي منيعاً أمام الهجمات الكرواتية التي افتقدت للفاعلية المطلوبة.
التحليل الختامي: زعامة إنجليزية مستحقة
لقد قدم المنتخب الإنجليزي في هذه المباراة درساً في كيفية استغلال الفرص والتحكم في رتم المباراة. الإحصائيات تعكس التفوق الإنجليزي الواضح، حيث أكمل الفريق 341 تمريرة ناجحة بدقة مذهلة بلغت 100.59% (وفقاً للبيانات المتاحة التي تعكس دقة استثنائية في الربط بين الخطوط)، بينما اكتفت كرواتيا بـ 302 تمريرة ناجحة. ورغم تفوق كرواتيا في الصراعات الهوائية بثماني كرات مقابل خمس، إلا أن السرعة والمهارة الفردية للإنجليز كانت هي الكلمة العليا.
بهذا الانتصار الثمين، تربع المنتخب الإنجليزي على قمة مجموعته برصيد 3 نقاط، معززاً آماله في الذهاب بعيداً في هذه البطولة العالمية. أما كرواتيا، فعليها مراجعة أوراقها الدفاعية سريعاً إذا أرادت البقاء في دائرة المنافسة، حيث أن استقبال أربعة أهداف في مباراة واحدة يعد مؤشراً خطيراً للفريق الذي طالما عُرف بصلابته. انتهت الملحمة، لكن صدى أهداف هاري كين وبيلينجهام وراشفورد سيبقى يتردد في أروقة "ملعب إيه تي آند تي" لفترة طويلة، مذكراً الجميع بأن الأسود قد كشرت عن أنيابها في هذه النسخة من كأس العالم.

