رصاصة الرحمة في الوقت القاتل.. غانا تروي عطش جماهيرها بفوز درامي على بنما
في ليلة مونديالية حبست الأنفاس حتى ثوانيها الأخيرة، احتضن ملعب بي ام او فيلد فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي في عالم كرة القدم. لم تكن مجرد مباراة في دور المجموعات لكأس العالم، بل كانت صراعاً مريراً بين الطموح اللاتيني المتدفق والصلابة الأفريقية المعهودة. وبسيناريو لا يكتبه إلا كبار المبدعين، استطاع المنتخب الغاني أن يخطف نقاط المباراة الثلاث في الرمق الأخير، معلناً فوزه على نظيره البنمي بهدف نظيف، ليترك الجماهير في حالة من الذهول والنشوة التي لا توصف.
أجواء مشحونة وترقب في "بي ام او فيلد"
قبل صافرة البداية، كانت الأجواء في المدرجات تشي بملحمة كروية كبرى؛ قمصان "النجوم السوداء" الغانية تمازجت مع صخب المشجعين البنميين، والكل يدرك أن الخطأ في هذا المحفل العالمي لا يُغتفر. دخل المدرب الخبير كارلوس كيروش بتشكيلة غانية تهدف إلى إغلاق المساحات والاعتماد على التحولات السريعة، بينما كان توماس كريستيانسين يطمح لفرض أسلوب بنما الهجومي والسيطرة على الكرة. أدار اللقاء الحكم جلان نيبيرج، الذي كان عليه ضبط إيقاع مباراة اتسمت بالندية البدنية العالية منذ اللحظة الأولى.
شوط أول من الصمود والمناورات التكتيكية
انطلقت المباراة بإيقاع سريع، حيث حاول المنتخب البنمي فرض سيطرته عبر تمريرات قصيرة ومحاولات لاختراق العمق الغاني. وفي الدقيقة 16، ظهرت أولى علامات التوتر عندما تلقى المهاجم الغاني كالب ييرينكي بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، وهو إنذار مبكر بمدى الشراسة التي ستطبع المواجهة. غانا، تحت قيادة كيروش، فضلت التراجع المنظم، معتمدة على القوة البدنية في الفوز بالثنائيات الهوائية، حيث تشير الإحصائيات إلى تفوقها بـ 20 صراعاً هوائياً ناجحاً مقابل 12 لبنما. ورغم الاستحواذ البنمي الواضح، إلا أن الشوط الأول انتهى سلبياً، وسط محاولات خجولة لم تكسر صمود الدفاعات.
الشوط الثاني.. مدربان في صراع الشطرنج
مع بداية الشوط الثاني، فاجأ كيروش الجميع بتبديل اضطراري أو تكتيكي في حراسة المرمى، حيث سحب لاورينس اتى زيجى ليدفع بالحارس بنيامين اساري في الدقيقة 46. ومع استمرار الضغط البنمي الذي وصل استحواذه على الكرة إلى 68%، كان لزاماً على غانا التحرك. في الدقيقة 58، أجرى كيروش تبديلاً مزدوجاً بدخول براندون أسانتي وعبدول فاتاو إسحاقو بدلاً من ارنيست نواماه وكمال الدين سوليمانا، في محاولة لضخ دماء جديدة في الخط الأمامي.
في المقابل، لم يقف كريستيانسين مكتوف الأيدي، فدفع بخوسيه فاجاردو وأزارياس لوندونو في الدقيقة 63 لتنشيط الهجوم. المباراة بدأت تأخذ منحنى أكثر توتراً، ففي الدقيقة 72 نال سيزار بلاكمان بطاقة صفراء، قبل أن يغادر الملعب في الدقيقة 90 تاركاً مكانه للقائد الخبير انيبال جودوى. بنما كانت الأكثر وصولاً للمرمى بـ 11 تسديدة إجمالية، منها 3 على المرمى، لكن اللمسة الأخيرة ظلت مفقودة أمام بسالة الدفاع الغاني.
لحظة الانفجار.. ييرينكي يكتب التاريخ
بينما كان الجميع يستعد لصافرة النهاية والرضا بنقطة التعادل، حدث ما لم يكن في الحسبان. في الدقيقة 90+5، ومن هجمة منظمة ضربت التكتل الدفاعي البنمي، أرسل البديل الناجح براندون أسانتي تمريرة حاسمة ومتقنة ضربت الخطوط، لتجد صاحب الرداء رقم 9، كالب ييرينكي، الذي لم يتوانَ في وضع الكرة داخل الشباك، مفجراً بركاناً من الفرح في دكة بدلاء غانا ومدرجاتها. لقد كانت مكافأة الصبر والعمل التكتيكي المنضبط الذي طبقه كيروش طوال اللقاء.
لم تنتهِ الدراما عند هذا الحد، ففي الدقيقة 90+9، ومع محاولات بنما اليائسة للعودة، تلقى أزارياس لوندونو بطاقة صفراء نتيجة الاحتجاج والالتحام القوي، لتعلن بعدها صافرة الحكم جلان نيبيرج نهاية الملحمة بفوز غاني تاريخي. ورغم أن بنما تفوقت في عدد التمريرات بـ 576 تمريرة مقابل 350 لغانا، إلا أن النجاعة الهجومية كانت في صف "النجوم السوداء".
تحليل فني: كيف سلب كيروش الفوز؟
أثبتت المباراة أن الاستحواذ لا يعني دائماً الانتصار؛ فقد نجح المنتخب الغاني في تسيير المباراة وفق إمكانياته، ممتصاً حماس لاعبي بنما. التبديلات التي أجراها كيروش كانت "كلمة السر"، خاصة دخول براندون أسانتي الذي صنع هدف الفوز، وكواسي سيبو الذي ضبط إيقاع الوسط في الدقائق الأخيرة. في المقابل، عانت بنما من غياب الحسم أمام المرمى رغم سيطرتها الميدانية المطلقة، حيث اصطدمت بـ 8 تشتيتات دفاعية غانية ناجحة وتنظيم دفاعي محكم لم يترك مساحات للمناورة.
الخاتمة: خطوة عملاقة نحو العبور
بهذا الفوز الصعب والمثير، رفعت غانا رصيدها إلى 3 نقاط ثمينة في صراع المجموعة، محتلة المركز الثاني ومعززة حظوظها بشكل كبير في التأهل للدور المقبل. أما بنما، فعليها أن تلوم نفسها على إهدار الفرص والسيطرة السلبية، حيث بات موقفها معقداً في البطولة. لقد كانت مباراة "بي ام او فيلد" درساً قاسياً في كرة القدم: أن تلعب حتى الثانية الأخيرة، وأن تؤمن بأن الهدف قد يأتي في اللحظة التي يظن فيها الجميع أن كل شيء قد انتهى.

