زئير التيرانجا يخرس المجمع الرياضي: السنغال تتربع على عرش إفريقيا في ليلة درامية
تحت أضواء "المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله" التي بدت وكأنها تشتعل حماساً، وفي ليلة من ليالي الشتاء الإفريقي الدافئة بمشاعرها، كتب التاريخ فصلاً جديداً من فصول الإثارة الكروية. لم تكن مجرد مباراة نهائية في كأس أمم إفريقيا، بل كانت ملحمة جسدت صراع الجبابرة بين "أسود الأطلس" و"أسود التيرانجا". في تلك الليلة المشهودة من يناير 2026، نجحت السنغال في خطف التاج الإفريقي بعد فوز درامي على المغرب بنتيجة 1-0، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة كل من حبست أنفاسه حتى الدقيقة الأخيرة من الوقت الإضافي.
هدوء ما قبل العاصفة: تكتيك وحذر
دخل المنتخبان أرض الملعب والآمال تعانق عنان السماء؛ وليد الركراكي بفكره الذي أبهر العالم، وبابي ثياو بطموحه لقيادة السنغال لمواصلة الهيمنة. كانت الأجواء في مدرجات الرباط مهيبة، حيث امتزج اللونان الأحمر والأخضر بهتافات الجماهير المغربية التي كانت تمني النفس بلقب طال انتظاره على أرضها. بدأت المباراة بحذر تكتيكي شديد، حيث تبادل الفريقان السيطرة في وسط الميدان دون مخاطرة كبرى. وفي الدقيقة 24، ظهرت أولى علامات التوتر عندما أشهر الحكم الكونغولي جان جاك ندالا نجامبو البطاقة الصفراء في وجه السنغالي لامين كامارا، ليعلن للجميع أن الصرامة ستكون عنوان هذه القمة.
انقضى الشوط الأول والنتيجة تشير إلى التعادل السلبي، رغم المحاولات المغربية التي كانت أكثر عدداً، إلا أن الدفاع السنغالي كان منظماً كحائط صد منيع. الإحصائيات أظهرت توازناً غريباً في الاستحواذ بنسبة 50% لكل فريق، مما عكس تقارباً كبيراً في المستوى الفني والبدني، وصراعاً مريراً على كل شبر من عشب الملعب.
الشوط الثاني: صراع الأنفاس الطويلة ودراما الوقت القاتل
مع انطلاق الشوط الثاني، ارتفع الإيقاع وبدأ المدربان في تحريك قطع الشطرنج. السنغال أجرت تبديلات ثلاثية في الدقيقة 77 بدخول إسماعيلا سار وإبراهيم مباي وأبدولاي سيك، في محاولة لضخ دماء جديدة. رد الركراكي لم يتأخر، فدفع بـ يوسف النصيري وأسامة تارغالين بدلاً من الكعبي والخنوس. استمر السجال حتى وصلنا إلى دقائق جنونية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في الوقت بدل الضائع.
في الدقيقة التاسعة بعد التسعين، بدأت الأعصاب تنهار؛ بطاقة صفراء لإسماعيلا سار، تبعتها أخرى لمالك ضيوف، ثم انفجر الملعب احتجاجاً في الدقيقة 111 (90+21) عندما تلقى الحارس إدوارد ميندي والبديل المغربي أنس صلاح الدين إنذارين في مشادة كلامية عكست حجم الضغوط. وفي الدقيقة 114 (90+24)، حصل المغرب على فرصة ذهبية لإنهاء كل شيء؛ ركلة جزاء انبرى لها النجم إبراهيم دياز، لكن القدر كان يخبئ سيناريو آخر، حيث أضاع دياز الركلة وسط ذهول الآلاف، لتذهب المباراة إلى الأشواط الإضافية وسط حسرة مغربية لا توصف.
اللحظة الحاسمة: باب غايي يكتب التاريخ
لم يكد الجمهور يستوعب ضياع ركلة الجزاء، حتى باغتت السنغال الجميع مع بداية الشوط الإضافي الأول. في الدقيقة 94، ومن عمل جماعي رائع، أرسل المخضرم إدريسا جانا جاي تمريرة حاسمة وضعت باب غايي في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك المغربية، معلناً عن هدف التقدم الغالي. كان الهدف بمثابة صدمة كهربائية في أرجاء الملعب، حيث انطلقت الأفراح السنغالية في دكة البدلاء، بينما خيم الصمت المطبق على مدرجات "مولاي عبد الله".
حاول المنتخب المغربي العودة بكل قوته، ودفع الركراكي بـ إلياس أخوماش وحمزة إكمان، لكن التنظيم الدفاعي السنغالي كان مثالياً. ورغم أن المغرب سدد 20 كرة طوال المباراة مقابل 14 للسنغال، إلا أن النجاعة كانت في صف "أسود التيرانجا". استمر القتال حتى الدقائق الأخيرة، حيث تلقى مامادو سار بطاقة صفراء في الدقيقة 113 لإيقاف هجمة مغربية واعدة، في إشارة إلى التضحية البدنية التي قدمها لاعبو السنغال للحفاظ على تقدمهم.
التحليل الفني: كيف حسمت السنغال الموقعة؟
كانت المباراة معركة "تفاصيل صغيرة" بامتياز. فرغم أن المغرب كان الأكثر محاولة بـ 10 ركالات ركنية مقابل 8 للسنغال، و31 عرضية مقابل 16 للمنافس، إلا أن السنغال كانت أكثر دقة في الوصول للمرمى بـ 7 تسديدات على المرمى مقابل 3 فقط للمغاربة. التبديلات التي أجراها بابي ثياو في الدقيقة 77 كانت نقطة التحول، حيث منحت الفريق الصلابة اللازمة للصمود في الأوقات الحرجة، بينما كان لضياع ركلة جزاء إبراهيم دياز أثر نفسي مدمر على "أسود الأطلس" في بداية الأشواط الإضافية.
الخاتمة: السنغال بطلة للقارة السمراء
عندما أطلق الحكم جان جاك ندالا نجامبو صافرة النهاية، سقط لاعبو السنغال ساجدين فوق العشب الأخضر، معلنين فوزهم بلقب تاريخي من قلب المغرب. هذا الانتصار لا يعني مجرد كأس تضاف للخزائن، بل هو تأكيد على الشخصية القوية لمنتخب السنغال الذي عرف كيف يسير المباراة وسط ضغط جماهيري رهيب. أما المنتخب المغربي، فقد غادر الملعب برأس مرفوعة رغم الخسارة، تاركاً خلفه دروساً في القتال والروح الرياضية، في ليلة ستبقى تذكرنا دائماً بأن كرة القدم الإفريقية لا تعترف إلا بمن يقتنص الفرص ويصمد حتى الرمق الأخير.
