ليلة "الفيلودروم" الصاخبة: مارسيليا يضرب بقوة ويعبر رين إلى ربع نهائي الكأس
تحت أضواء ملعب "فيلودروم" الأسطوري، وبينما كانت حناجر الجماهير تهتف بصوت واحد يهز أركان مدينة مارسيليا، كُتبت فصول ملحمة كروية جديدة في ليلة من ليالي كأس فرنسا. لم يكن اللقاء مجرد مباراة في دور الستة عشر، بل كان استعراضاً للقوة والهيمنة فرض من خلاله نادي مارسيليا سطوته على ضيفه ستاد رين، لينتهي العرض بثلاثية نظيفة استقرت في شباك الضيوف، معلنةً تأهل "أبناء الجنوب" بجدارة واستحقاق إلى الدور المقبل.
بداية عاصفة وصدمة مبكرة
لم يكد الحكم توماس ليونارد يطلق صافرة البداية، حتى اشتعلت المدرجات بهدف مباغت لم يمهل الضيوف فرصة لترتيب أوراقهم. في الدقيقة الثانية فقط، انطلق تيموثي وياه كالسهم على الرواق، مرسلاً تمريرة عرضية متقنة ارتقى لها أمين جويري ببراعة، مسكناً الكرة الشباك وسط ذهول مدافعي رين. هذا الهدف المبكر كان بمثابة "الحمام البارد" الذي أربك حسابات المدرب حبيب بييه، ومنح كتيبة المدرب روبيرتو دى زيربى ثقة مطلقة للتحكم في ريتم المباراة.
حاول لاعبو ستاد رين استعادة توازنهم، لكن الاندفاع البدني كان سيد الموقف، مما أجبر الحكم على التدخل وإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب مارسيليا الشاب إيثان نوانيري في الدقيقة 22. ومع تزايد الضغط المارسيلي، اضطر حبيب بييه لإجراء تبديل اضطراري مبكر في الدقيقة 36، حيث سحب جلان كامارا ليدفع باللاعب محمدو ناجيدا في محاولة لترميم وسط الملعب. وقبيل نهاية الشوط الأول، اشتعلت الأجواء أكثر بتوتر واضح نتج عنه بطاقتان صفراوان؛ الأولى لـ اليدو سيدو من جانب رين في الدقيقة 42، والثانية للقائد بيير إيميل هويبيرج من مارسيليا في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع.
جرينوود يغتال الآمال في مطلع الشوط الثاني
مع انطلاق صافرة الشوط الثاني، دخل الفريقان بتغييرات تكتيكية؛ حيث دفع دى زيربى بـ بلال نادر بدلاً من نوانيري، بينما حاول رين تنشيط هجومه بدخول بريل إيمبولو. لكن السيناريو تكرر بحذافيره؛ ففي الدقيقة 46، ومن أول هجمة منظمة، تقمص أمين جويري دور صانع الألعاب هذه المرة، ليهدي زميله ماسون جرينوود تمريرة حاسمة لم يتوانَ الأخير في إيداعها المرمى، معلناً الهدف الثاني الذي قتل طموحات الضيوف في العودة.
حاول رين العودة للمباراة من خلال سلسلة من التبديلات، فدخل لودوفيتش بلاس في الدقيقة 58، لكن دفاع مارسيليا المنظم حال دون وصولهم للمرمى. وزادت معاناة رين مع توالي البطاقات الصفراء التي نالها كل من كوينتين ميرلين وعبدالحميد أيت بوضلال نتيجة الضغط المتواصل من مهاجمي مارسيليا الذين تلاعبوا بدفاعات الخصم بمهارة فائقة.
أوباميانج يضع بصمة الختام
في الدلائق العشرين الأخيرة، قرر دى زيربى إراحة نجومه وضخ دماء جديدة، فدخل جويفري كوندوبيا لضبط الإيقاع، ثم جاءت اللحظة التي انتظرتها الجماهير بدخول القناص بيير إيميريك أوباميانج وحامد تراوري في الدقيقة 78. لم يحتج "الآباء" سوى لخمس دقائق ليترك بصمته؛ ففي الدقيقة 83، ومن عمل جماعي رائع، مرر ماسون جرينوود كرة ذهبية لـ أوباميانج الذي أنهى الهجمة بلمسة احترافية في الشباك، محرزاً الهدف الثالث ومطلقاً رصاصة الرحمة على اللقاء.
شهدت الدقائق الأخيرة محاولات يائسة من رين لتقليص الفارق، حيث أجرى مدربهم تبديلات متأخرة بدخول ليليان براسير واليس ليجندري كوينونيز، بينما عزز مارسيليا دفاعه بدخول بنجامين بافارد بدلاً من إيمرسون. ومع إطلاق الحكم صافرة النهاية، انفجرت مدرجات "الفيلودروم" فرحاً بهذا الفوز العريض والأداء الرجولي.
رؤية فنية: عبقرية دى زيربى وتوهج النجوم
أثبت المدرب روبيرتو دى زيربى تفوقه التكتيكي الكامل في هذه المواجهة، حيث نجح في استغلال الأطراف بشكل مثالي، وكان لتبديلاته أثر مباشر في الحفاظ على نسق المباراة المرتفع. الإحصائيات تشير إلى سيطرة مارسيليا على مجريات اللعب في معظم فترات اللقاء، حيث كان الربط بين أمين جويري وماسون جرينوود هو المفتاح السحري لفك شفرات دفاع رين. في المقابل، بدا ستاد رين تائهاً وعاجزاً عن مجاراة السرعة المارسيليّة، وتأثر كثيراً بالهدفين المبكرين في بداية كل شوط.
بهذا الانتصار، يبعث مارسيليا برسالة شديدة اللهجة لجميع المنافسين في كأس فرنسا، مؤكداً أنه يسير بخطى ثابتة نحو منصات التتويج. لم يكن مجرد تأهل، بل كان عرضاً كروياً متكاملاً جمع بين الصلابة الدفاعية، والنجاعة الهجومية، والروح القتالية التي لا تهدأ، ليؤكد "أولمبيك مارسيليا" أنه سيد داره وفخر جنوبه.


