ريمونتادا بيرغامو: أتلانتا يقلب الطاولة على نابولي في ليلة تألق ساماردزيتش
في ظهيرة يوم من أيام فبراير التي حبست أنفاس عشاق الكرة الإيطالية، احتضن ستاد جيويس في مدينة بيرغامو ملحمة كروية جسدت كل معاني الإثارة والندية في "الكالتشيو". لم تكن مجرد مباراة ضمن الجولة السابعة والعشرين من الدوري الإيطالي، بل كانت صراعاً تكتيكياً محتدماً بين طموح أتلانتا في الاقتراب من المربع الذهبي، ورغبة نابولي في تثبيت أقدامه في المركز الثالث. انتهت الموقعة بفوز درامي لأصحاب الأرض بهدفين مقابل هدف واحد، في مباراة ستبقى طويلاً في ذاكرة الجماهير التي لم تتوقف عن الهتاف طوال أربع وتسعين دقيقة من الركض المتواصل.
هدوء ما قبل العاصفة وصدمة البداية
دخل الفريقان أرضية الملعب وسط أجواء مشحونة بالحماس، حيث كانت التوقعات تشير إلى مواجهة متكافئة بين فكر المدرب الشاب رافائيل بالادينو، وخبرة المحنك أنطونيو كونتي. انطلقت صافرة الحكم دانيلي شيفي لتعلن بداية الصراع، وبدا واضحاً منذ الدقائق الأولى أن نابولي جاء لفرض أسلوبه، معتمداً على تنظيم دفاعي محكم وتحولات هجومية خاطفة. لم يتأخر الضيوف في ترجمة أفضليتهم، ففي الدقيقة الثامنة عشرة، ومن جملة تكتيكية متقنة، أرسل إلجيف إلماس تمريرة حاسمة وضعت المدافع سام بوكيما في موقف مثالي، ليهز الأخير شباك أتلانتا معلناً عن الهدف الأول لصالح "البارتينوبي".
هذا الهدف أربك حسابات بالادينو وجماهير بيرغامو، وحاول أتلانتا العودة سريعاً، لكن التوتر سيطر على الأداء، مما أدى إلى كثرة الأخطاء في وسط الملعب. الحكم شيفي كان بالمرصاد للتدخلات العنيفة، فأشهر البطاقة الصفراء الأولى في وجه مدافع نابولي خوان جيسوس في الدقيقة 37، قبل أن يرد عليه مدافع أتلانتا إيزاك هين ببطاقة صفراء أخرى في الدقيقة 42. انتهى الشوط الأول بتقدم نابولي، وسط شعور بأن المباراة ما زالت تخبئ الكثير في طياتها.
تحولات بالادينو وتغيير وجه المباراة
مع بداية الشوط الثاني، أدرك بالادينو أن عليه التدخل فوراً لتغيير الواقع المرير. أجرى تبديلاً جوهرياً بخروج كمال الدين سوليمانا ودخول الموهوب لازار ساماردزيتش، وهو التغيير الذي سيتحول لاحقاً إلى نقطة التحول الكبرى. لم يكتفِ مدرب أتلانتا بذلك، بل دفع في الدقيقة 57 بكل من جيانلوكا سكاماكا ولورينزو بيرناسكوني بدلاً من كريستوفيك وبيلانوفا، في مغامرة هجومية واضحة لاستعادة التوازن.
هذا الضغط المستمر أثمر أخيراً في الدقيقة الواحدة والستين، عندما انطلق نيكولا زالوسكي ببراعة على الرواق، مرسلاً عرضية متقنة ارتقى لها ماريو بازاليتش وأودعها الشباك، ليتفجر الملعب فرحاً بهدف التعادل. كانت تلك اللحظة هي الشرارة التي أشعلت حماس لاعبي أتلانتا، بينما بدأ القلق يتسرب إلى ملامح أنطونيو كونتي على خط التماس.
ساماردزيتش يكتب كلمة النهاية
حاول كونتي استعادة السيطرة بإجراء تبديلات مزدوجة في الدقيقة 63، حيث دفع بـ ماتيو بوليتانو وليوناردو سبينازولا، ثم أتبعها بتبديلات أخرى في الدقيقة 70 بدخول ماتياس أوليفيرا وسانتانا دو جيوفاني. إلا أن إيقاع أتلانتا كان قد أصبح أسرع من قدرة نابولي على المجاراة. ورغم حصول زالوسكي على بطاقة صفراء في الدقيقة 77، إلا أن التركيز الذهني لأصحاب الأرض ظل في أعلى مستوياته.
وفي الدقيقة الواحدة والثمانين، اكتملت فصول الدراما؛ البديل لورينزو بيرناسكوني، الذي قدم حيوية كبيرة منذ دخوله، مرر كرة سحرية إلى لازار ساماردزيتش، الذي لم يتوانَ عن وضعها في المرمى مسجلاً الهدف الثاني وهدف الفوز الغالي. كانت الفرحة عارمة، حيث ركض ساماردزيتش نحو الجماهير في مشهد يجسد روح "الريمونتادا" التي صنعها البدلاء.
تحليل تكتيكي: صراع البدلاء والأنفاس الأخيرة
أثبتت المباراة أن دكة بدلاء أتلانتا كانت هي المفتاح السحري لفك شفرات دفاع نابولي. إحصائياً، كان تأثير التبديلات حاسماً، حيث جاء الهدف الثاني بصناعة وتسجيل من لاعبين دخلا في الشوط الثاني. في المقابل، تأخر نابولي في رد الفعل، وحتى دخول الدبابة البشرية روميلو لوكاكو في الدقيقة 85 بدلاً من أليسون سانتوس لم يسعف الضيوف في العودة، حيث استبسل دفاع أتلانتا، خاصة مع دخول هونسيت اهانور وبيرات دجيمستى لتأمين المناطق الخلفية.
أدار الحكم دانيلي شيفي اللقاء بصرامة، محاولاً السيطرة على الانفعالات التي بلغت ذروتها في الدقائق الأخيرة، حيث حاول نابولي بكل ثقله تعديل النتيجة، لكن صافرة النهاية كانت أسرع، لتعلن فوزاً تاريخياً لأتلانتا رفع رصيده إلى 49 نقطة، مقلصاً الفارق مع نابولي صاحب الـ 50 نقطة إلى نقطة واحدة فقط.
خاتمة: بيرغامو لا تعرف المستحيل
بهذا الانتصار، وجه أتلانتا رسالة قوية لجميع المنافسين في الدوري الإيطالي بأن ملعب "جيويس" سيظل حصناً منيعاً لا يُقهر بسهولة. لم تكن النقاط الثلاث هي المكسب الوحيد، بل كانت الروح القتالية والقدرة على العودة من التأخر أمام فريق بحجم نابولي هي المكسب الأكبر لكتيبة بالادينو. أما بالنسبة لنابولي، فإن هذه الخسارة ستجعل كونتي يعيد حساباته في كيفية الحفاظ على التقدم، خاصة في المباريات الكبرى خارج الديار، حيث بات صراع المراكز الأولى يشتعل أكثر من أي وقت مضى، مما يعدنا بنهاية موسم استثنائية في جنة كرة القدم.


