حين يطغى الحذر على الإثارة: تعادل سلبي يفرض نفسه في قمة الغرب بين ترجي مستغانم ومولودية وهران
في ظهيرة شتوية من أيام فبراير عام 2026، وتحديداً في السابع منه، اتجهت أنظار عشاق الكرة الجزائرية نحو مواجهة من نوع خاص، حيث التقى ترجي مستغانم بضيفه الثقيل مولودية وهران ضمن منافسات الدوري الجزائري. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت صراعاً على الهوية، وبحثاً عن الذات في منعرج حاسم من عمر المسابقة. ومع إطلاق الحكم لصافرة النهاية، خيم الصمت على الشباك، وانتهى اللقاء كما بدأ بنتيجة التعادل السلبي (0-0)، في مباراة غلب عليها الانضباط التكتيكي المبالغ فيه والخوف من الهزيمة.
أجواء ما قبل الصدام: طموحات متباينة وتاريخ مشترك
دخل الفريقان أرضية الملعب وعينهما على النقاط الثلاث، لكن الدوافع كانت مختلفة تماماً. ترجي مستغانم، الذي يصارع في المناطق الدافئة القريبة من الخطر، كان يطمح لاستغلال عامل الأرض والجمهور لتحسين وضعيته في الجدول، حيث دخل اللقاء وهو يحتل المركز الرابع عشر برصيد 14 نقطة فقط من 18 مباراة. كانت الضغوط تتركز على عاتق لاعبي "الترجي" لكسر سلسلة النتائج السلبية، خاصة وأنهم حققوا 3 انتصارات فقط طوال الموسم.
على الجانب الآخر، وصلت مولودية وهران إلى مستغانم وهي تحمل طموحات أكبر، مستندة إلى المركز السابع في الترتيب برصيد 24 نقطة. ورغم تفوق "الحمراوة" في الترتيب، إلا أن نتائجهم الأخيرة قبل هذه المباراة لم تكن مطمئنة، مما جعل الحذر هو العنوان الأبرز لخطاب المدرب في غرف الملابس. الجماهير التي ملأت المدرجات كانت تتوقع معركة هجومية ضارية، لكن ما حدث على المستطيل الأخضر كان قصة مغايرة تماماً، بطلها الدفاع المحكم والرقابة اللصيقة.
الشوط الأول: صراع في وسط الميدان وغياب للحلول
بدأت المباراة بإيقاع سريع، حيث حاول أصحاب الأرض، ترجي مستغانم، فرض سيطرتهم على منطقة العمليات منذ الدقائق الأولى. كانت الكرة تتنقل بين أقدام اللاعبين في محاولة لفك شفرات الدفاع الوهراني المنظم، إلا أن كل المحاولات كانت تصطدم بجدار دفاعي صلب. اتسم اللعب بالندية البدنية العالية، حيث شهدت الدقائق الأولى صراعات ثنائية قوية في وسط الملعب، مما أجبر الحكم على التدخل مراراً لتهدئة الأجواء المشحونة.
مولودية وهران، بذكائها المعهود، امتصت حماس البداية لترجي مستغانم، واعتمدت على الهجمات المرتدة السريعة التي كانت تفتقد للدقة في اللمسة الأخيرة. ومع مرور الوقت، بدأ الإرهاق يظهر على ملامح اللاعبين بسبب الضغط العالي، وانحصر اللعب في دائرة المنتصف. غابت الفرص الخطيرة على المرميين، وبدا أن كل فريق يخشى تلقي هدف يبعثر أوراقه، لينتهي الشوط الأول وسط خيبة أمل جماهيرية كانت تمني النفس برؤية الشباك تهتز.
الشوط الثاني: تبديلات تكتيكية وصمود دفاعي
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل الفريقان برغبة أكبر في التحرر من القيود الدفاعية. حاول مدرب ترجي مستغانم تنشيط الجبهة الهجومية من خلال إجراء بعض التبديلات، حيث دفع بدماء جديدة في خط الوسط والهجوم لزيادة الكثافة العددية داخل منطقة جزاء "المولودية". وبالفعل، شهدت الربع ساعة الأولى من هذا الشوط ضغطاً مكثفاً من أصحاب الأرض، حيث اعتمدوا على الكرات العرضية التي كان لها حارس مرمى مولودية وهران بالمرصاد.
في المقابل، لم تقف مولودية وهران مكتوفة الأيدي، بل حاولت استغلال الاندفاع البدني للاعبي "الترجي" من خلال تمريرات بينية قصيرة تهدف لضرب التسلل. ورغم التغييرات التي طرأت على تشكيلتي الفريقين بدخول لاعبين من دكة البدلاء، إلا أن النجاعة الهجومية ظلت غائبة. كانت كل هجمة تنتهي إما بتدخل دفاعي موفق أو بتسديدة طائشة بعيدة عن القائمين والعارضة. بقيت النتيجة معلقة، وزاد التوتر في الدقائق العشر الأخيرة، حيث كثف الفريقان من محاولاتهما اليائسة لخطف هدف قاتل، لكن الصمود الدفاعي كان هو الكلمة العليا في هذه السهرة الكروية.
التحليل الفني: حين تتفوق الخطط على المهارات
بالنظر إلى إحصائيات المباراة، نجد أن التعادل كان عادلاً إلى حد كبير. ترجي مستغانم، رغم استحواذه النسبي في بعض فترات اللقاء، عانى من مشكلة حقيقية في إنهاء الهجمات، وهي المشكلة التي تلازمه طوال الموسم حيث لم يسجل سوى 10 أهداف في 18 مباراة. أما مولودية وهران، فقد أظهرت نضجاً تكتيكياً في التغطية الدفاعية، لكنها افتقدت للجرأة الهجومية التي تمكنها من العودة بالنقاط الثلاث من خارج ديارها.
لعبت التبديلات دوراً في الحفاظ على رتم المباراة، لكنها لم تكن كافية لتغيير النتيجة النهائية. كان واضحاً أن الضغط النفسي المرتبط بمركز الفريقين في جدول الترتيب أثر بشكل مباشر على أداء اللاعبين؛ فترجي مستغانم كان يخشى تلقي خسارة جديدة تعمق جراحه في المركز الرابع عشر، بينما فضلت مولودية وهران العودة بنقطة التعادل بدلاً من المغامرة وفقدان كل شيء، خاصة وأن سجلها خارج الديار يتسم بالتوازن الحذر.
الخاتمة: نقطة لكل فريق وصراع مستمر
بإطلاق صافرة النهاية، اقتسم الفريقان نقاط المباراة، ليرفع ترجي مستغانم رصيده إلى 15 نقطة، باقياً في دوامة البحث عن طوق نجاة يخرجه من المناطق المتأخرة. في حين رفعت مولودية وهران رصيدها إلى 25 نقطة، محافظة على موقعها في وسط الترتيب، لكن مع تساؤلات حول قدرتها على المنافسة على المراكز المتقدمة في حال استمرار هذا العقم الهجومي.
لقد كانت مباراة "صمت المهاجمين" بامتياز، حيث تفوق المدافعون في إغلاق كل المنافذ. ورغم غياب الأهداف، إلا أن المباراة حملت في طياتها دروساً تكتيكية حول كيفية الحفاظ على نظافة الشباك تحت الضغط. سيبقى هذا التعادل السلبي ذكرى لمباراة غلبت فيها الحسابات الرقمية على المتعة الكروية، في انتظار ما ستسفر عنه الجولات القادمة من صراعات في الدوري الجزائري الذي لا يعترف إلا بمن يسجل الأهداف.


