نسور بورسعيد تحلق في سماء السويس: المصري يطيح بالجونة ويعبر لنصف نهائي كأس العاصمة
تحت أضواء ستاد السويس الجديد، وفي ليلة كروية حبست الأنفاس، شهدت ملاعب كرة القدم المصرية فصلاً جديداً من فصول الإثارة في بطولة كأس عاصمة مصر. لم تكن مجرد مباراة في ربع النهائي، بل كانت ملحمة تكتيكية وصراعاً على الهوية الكروية بين طموح الجونة وخبرة المصري البورسعيدي. وبصافرة الحكم محمود أحمد بسيوني، انطلقت الرحلة التي انتهت بابتسامة بورسعيدية عريضة، حيث نجح "النسور الخضر" في حجز مقعدهم في المربع الذهبي بعد فوز مستحق بهدفين دون رد، في لقاء سيطر فيه التكتيك وغلبت عليه الروح القتالية.
بداية صاعقة تفتح أبواب العبور
لم يمهل المصري البورسعيدي مضيفه الجونة سوى دقائق معدودة لترتيب أوراقه. فبينما كان الجمهور لا يزال يستكشف ملامح التشكيل فوق العشب الأخضر، انطلق أحمد أيمن منصور في الدقيقة الرابعة بكرة عرضية متقنة، ضربت عمق دفاعات الجونة ووجدت القناص منذر تيمين في المكان والزمان المناسبين. بلمسة هادئة وتركيز عالٍ، أودع تيمين الكرة في الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي أشعل مدرجات السويس وبث الرعب في معسكر المدرب أحمد مصطفى بيبو.
هذا الهدف المبكر غيّر مجرى المباراة تماماً؛ إذ أجبر الجونة على التخلي عن حذره الدفاعي والاندفاع للأمام، بينما منح لاعبي المدرب نبيل الكوكي ثقة هائلة في إدارة الرتم. حاول لاعبو الجونة الاستحواذ على الكرة، ووصلت نسبة استحواذهم إلى 46%، لكن الفاعلية كانت غائبة أمام المرمى البورسعيدي. وعلى الرغم من محاولات عبدالله السعيد لتوزيع اللعب وبناء الهجمات، إلا أن دفاع المصري كان صامداً كالجدار، مما جعل الشوط الأول ينتهي بتقدم الضيوف بهدف وحيد، وسط أجواء من الترقب لما سيحدث في النصف الثاني من اللقاء.
صلاح محسن يعمق الجراح والتبديلات ترسم ملامح الحسم
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل الجونة برغبة واضحة في التعديل، وضغط بكل ثقله محصلاً 7 ركلات ركنية طوال المباراة، لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهي سفن "بيبو". وفي الدقيقة 63، حاول مدرب الجونة ضخ دماء جديدة بإشراك علي الزهدي وأحمد جمال بدلاً من سيف الدين موسى وأحمد رفعت، في محاولة يائسة لفك الشفرات الدفاعية للمصري. ولكن، وفي ذروة محاولات الجونة، جاءت الضربة القاضية من هجمة مرتدة سريعة أسفرت عن ركلة جزاء للمصري في الدقيقة 64.
تقدم صلاح محسن بثقة الكبار لتنفيذ الركلة، وببرود أعصاب يحسد عليه، وضع الكرة في المرمى مسجلاً الهدف الثاني، ليرفع سقف الطموحات البورسعيدية إلى السماء. هذا الهدف لم يكن مجرد تعزيز للنتيجة، بل كان بمثابة رصاصة الرحمة التي أضعفت معنويات أصحاب الأرض. وبعد الهدف مباشرة، أجرى نبيل الكوكي تبديلات ذكية للحفاظ على التوازن، حيث أشرك ميدو جابر وأسامة الزمراوي بدلاً من صاحب الهدف صلاح محسن وعبد الرحيم دغموم، مما أعاد الحيوية لخط الوسط ومنع الجونة من القيام بأي رد فعل حقيقي.
دراما الدقائق الأخيرة وصافرة النهاية
شهدت الدقائق العشر الأخيرة قمة الإثارة؛ فالجونة لم يستسلم، ودفع بيبو بكل أوراقه بإشراك المخضرم نور السيد وعمر الجزار في الدقيقة 80، ثم محمد عماد عبد القادر في الدقيقة 87 بدلاً من عبدالله السعيد الذي غادر الملعب وعلامات الإحباط تكسو وجهه. وفي المقابل، كان المصري يشن غارات مرتدة خطيرة مستغلاً المساحات الشاسعة، حيث سدد لاعبو المصري 16 تسديدة طوال المباراة، منها 4 تسديدات بين القائمين والعارضة.
وفي الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع، حبست الأنفاس مرة أخرى عندما هز ميدو جابر الشباك بهدف ثالث بعد تمريرة من أسامة الزمراوي، لكن الفرحة لم تكتمل؛ إذ تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتلغي الهدف وتعلن استمرار النتيجة على حالها. ورغم هذا الإلغاء، إلا أن السيطرة الميدانية للمصري كانت واضحة بنسبة استحواذ بلغت 54%، وهو ما عكس التفوق التكتيكي الواضح لكتيبة الكوكي حتى اللحظات الأخيرة التي شهدت تبديلات تكتيكية بإشراك مصطفى زيدان ويوسف الجوهري لتأمين الانتصار.
قراءة تكتيكية في فوز "الخضراء"
كانت المباراة درساً في كيفية استغلال الفرص وإدارة الضغط. المصري البورسعيدي لم يكتفِ بالتسجيل، بل عرف كيف يمتص حماس الجونة من خلال 14 رمية تماس وتمريرات هادئة في وسط الملعب. وعلى الرغم من ارتكاب لاعبي المصري لـ 10 أخطاء مقابل 13 للجونة، إلا أن المباراة خلت تماماً من البطاقات الملونة، سواء الصفراء أو الحمراء، وهو ما يحسب للحكم محمود أحمد بسيوني الذي سيطر على الانفعالات وخرج بالمباراة إلى بر الأمان بروح رياضية عالية.
الجونة، رغم خسارته، أظهر روحاً قتالية وحاول الوصول للمرمى بـ 10 تسديدات، لكن غياب اللمسة الأخيرة وتألق دفاع المصري حال دون تسجيل أي هدف. التبديلات التي أجراها نبيل الكوكي كانت نقطة التحول الحقيقية، حيث حافظت على إيقاع الفريق ومنعت الجونة من استغلال الإرهاق البدني في الدقائق الأخيرة، ليؤكد المصري أنه قادم وبقوة للمنافسة على لقب كأس عاصمة مصر.
الخاتمة: المصري يطوي صفحة الجونة وينظر للقمة
بهذه النتيجة، يغادر المصري البورسعيدي ستاد السويس الجديد برأس مرفوعة وطموحات لا تحدها حدود، منتظراً مواجهة نصف النهائي بعد أداء بطولي وضع فيه النقاط على الحروف. هذا الفوز يمثل دفعة معنوية هائلة للنادي المصري وجماهيره العريضة، ويؤكد أن الفريق يمتلك الشخصية اللازمة للمنافسة في أدوار خروج المغلوب. أما الجونة، فعليه مراجعة أوراقه والتعلم من دروس هذه الليلة، فكرة القدم لا تعترف إلا بمن يهز الشباك، واليوم كانت الشباك بورسعيدية بامتياز.


