ليلة استعادة الهيبة: وفاق سطيف يحلق فوق رمال الرويسات في ملحمة كروية
تحت أضواء كاشفة لم تهدأ، وفي أمسية كروية غلفتها برودة شهر فبراير وتطلعات جماهير الهضاب العليا، احتضن ملعب اللقاء فصلاً جديداً من فصول الدوري الجزائري. كانت المواجهة أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ كانت صراعاً بين عراقة وفاق سطيف الباحث عن توازنه، وطموح مستقبل بلدية الرويسات الذي جاء ليؤكد أن موقعه في وسط الترتيب ليس وليد الصدفة. في مباراة حبست الأنفاس حتى صافرة النهاية، نجح "النسور السوداء" في حسم الموقعة لصالحهم بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، في ليلة أعادت الروح لمدرجات سطيف.
أجواء ما قبل الصدام: هدوء يسبق العاصفة
دخل وفاق سطيف المباراة وهو يرزح تحت ضغوطات كبيرة؛ فالفريق الذي يحتل المركز الثاني عشر برصيد 23 نقطة، كان يدرك أن أي تعثر جديد يعني الغرق أكثر في مناطق الحسابات المعقدة. في المقابل، وصل الضيوف، مستقبل بلدية الرويسات، وهم يحملون في جعبتهم 26 نقطة ومركزاً سابعاً مريحاً، مدعومين بنتائج إيجابية في الجولات الأخيرة (ثلاثة انتصارات في آخر خمس مباريات). ورغم أن لغة الأرقام كانت تشير إلى تفوق الرويسات في الترتيب العام، إلا أن وفاق سطيف كان يعول على "حصنه المنيع" في القواعد، حيث لم يتلقَّ سوى خسارة واحدة في عشر مباريات خاضها على أرضه هذا الموسم، مسجلاً 15 هدفاً أمام جماهيره الوفية.
كانت التوقعات تشير إلى مباراة تكتيكية مغلقة، خاصة وأن الفريقين يمتلكان تقارباً ملحوظاً في القوة الهجومية، حيث سجل كل منهما 19 هدفاً منذ انطلاق الموسم. ومع إطلاق الحكم لصافرة البداية، تبددت كل الحسابات الورقية، وبدأ الصراع الحقيقي فوق المستطيل الأخضر، وسط أهازيج الجماهير التي لم تتوقف عن الهتاف لوفاقها الجريح.
الشوط الأول: زئير النسور وفرض السيطرة
بدأ وفاق سطيف المباراة بضغط عالٍ، محاولاً استغلال عاملي الأرض والجمهور لبعثرة أوراق الضيوف مبكراً. اعتمد أصحاب الأرض على الكرات العرضية السريعة والاختراق من العمق، مستغلين هشاشة دفاع الرويسات في المباريات التي يخوضها خارج دياره. لم يتأخر التهديد الحقيقي طويلاً، حيث شن الوفاق هجمات متتالية أجبرت مدافعي الرويسات على التراجع لمناطقهم الدفاعية.
تجسدت السيطرة السطايفية في هدف أول أشعل المدرجات، حيث جاء نتيجة عمل جماعي منظم انتهى بوضع الكرة في شباك الضيوف، معلناً تقدم "النسور" ومنحهم جرعة ثقة كانت مفقودة في الجولات الماضية. حاول مستقبل بلدية الرويسات الرد عبر الهجمات المرتدة، مستغلين سرعة أجنحتهم، إلا أن دفاع الوفاق كان بالمرصاد، لينتهي الشوط الأول بتقدم مستحق لأصحاب الأرض، وسط تفاؤل حذر من الجماهير التي كانت تخشى انتفاضة الضيوف في النصف الثاني.
الشوط الثاني: صراع الإرادة وحسم الموقعة
مع بداية الشوط الثاني، دخل مستقبل بلدية الرويسات بوجه مغاير، حيث دفع مدربهم بتبديلات تكتيكية تهدف لزيادة الكثافة العددية في وسط الميدان. هذا التغيير آتى ثماراً سريعة، حيث نجح الضيوف في الوصول إلى شباك الوفاق، معدلين النتيجة ومربكين حسابات أصحاب الأرض. في تلك اللحظات، خيم الصمت على الملعب، وبدا أن سيناريو التعادلات الذي طارد الوفاق في 8 مباريات هذا الموسم قد يتكرر مجدداً.
لكن الوفاق، وبشخصية الكبار، لم يستسلم للواقع المر. استعاد الفريق توازنه سريعاً، وبدأ في شن غارات هجومية مكثفة. ومن ركلة ركنية نفذت بدقة متناهية، ارتقى مهاجم الوفاق فوق الجميع ليودع الكرة الشباك، مسجلاً هدف التقدم الثاني ومفجراً بركان الفرح في المدرجات. لم تخلُ الدقائق الأخيرة من الإثارة والتوتر، حيث أشهر الحكم البطاقات الملونة للسيطرة على حماس اللاعبين الزائد، كما أجرت الأجهزة الفنية عدة تبديلات؛ الوفاق لتعزيز الدفاع والحفاظ على التقدم، والرويسات لرمي كل ثقلهم الهجومي في الأمام.
تحليل تكتيكي: كيف صمد الوفاق؟
كانت المباراة معركة تكتيكية بامتياز؛ فقد نجح وفاق سطيف في تحسين فاعليته الهجومية التي كانت تعاني (فارق أهداف -6 قبل المباراة)، واستطاع الوصول إلى النقطة 26 ليتساوى مع خصمه في رصيد النقاط. التبديلات التي أجراها مدرب الوفاق في الدقائق الأخيرة كانت حاسمة في امتصاص حماس لاعبي الرويسات، الذين حاولوا استغلال ضعف سجل الوفاق الدفاعي (استقبل 25 هدفاً هذا الموسم). القوة البدنية والروح القتالية كانت هي الفيصل، حيث أظهر لاعبو السطيف إصراراً كبيراً على كسر سلسلة النتائج المتذبذبة، خاصة بعد تعادل وخسارة في آخر مباراتين.
في المقابل، أثبت مستقبل بلدية الرويسات أنه فريق لا يستهان به، ورغم خسارته السادسة خارج الديار هذا الموسم، إلا أنه أحرج الوفاق في فترات كثيرة من المباراة. الفريق الضيف افتقد للمسة الأخيرة الحاسمة التي كانت كفيلة بتغيير مجرى اللقاء، ليبقى رصيدهم عند النقطة 26، متراجعين خطوة في سباق المراكز المتقدمة.
الخاتمة: فوز يعيد الأمل لقلعة "عين الفوارة"
مع إطلاق صافرة النهاية، تنفس أنصار وفاق سطيف الصعداء. هذا الفوز بنتيجة 2-1 ليس مجرد انتصار عابر، بل هو رسالة طمأنة بأن الفريق قادر على العودة إلى المسار الصحيح. لقد رفع الوفاق رصيده إلى 26 نقطة، قافزاً من المركز الثاني عشر ليجاور الرويسات في وسط الجدول، مما يفتح آفاقاً جديدة للفريق في الجولات القادمة من الرابطة الجزائرية المحترفة الأولى.
بينما غادر لاعبو مستقبل بلدية الرويسات الملعب برؤوس مرفوعة رغم الخسارة، يدرك وفاق سطيف أن المشوار لا يزال طويلاً، وأن استعادة هيبة "النسور" تتطلب استمرارية في الأداء والنتائج. انتهت المباراة، لكن صداها سيظل يتردد في شوارع سطيف، كذكرى لليلة استعاد فيها الفريق بريقه المفقود تحت سماء فبراير الباردة.


