دراما اللحظات الأخيرة: لوكاكو يمنح نابولي انتصاراً قاتلاً في قلب فيرونا
في ليلةٍ إيطالية صاخبة تحت أضواء ملعب مارك أنتونيو بينتجودي، لم يكن أكثر المتفائلين من عشاق "البارتينوبي" يتوقع أن تنتهي رحلتهم إلى مدينة فيرونا بهذا السيناريو الهوليودي. في مواجهة حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير، نجح نابولي في خطف فوز ثمين بنتيجة 2-1 على مضيفه هيلاس فيرونا، ضمن منافسات الدوري الإيطالي، في مباراة جسدت معنى الإصرار التكتيكي الذي يزرعه المدرب المحنك أنطونيو كونتي في نفوس لاعبيه.
بداية عاصفة وصمت في المدرجات
لم يكد الحكم اندريا كولومبو يطلق صافرة البداية، حتى كان نابولي قد رسم ملامح نواياه الهجومية بوضوح تام. لم تمضِ سوى دقيقتين فقط، وبينما كان الجمهور لا يزال يبحث عن مقاعده، شن الضيوف هجمة منظمة قادها الشاب الموهوب أنطونيو فيرجارا، الذي أرسل تمريرة عرضية متقنة ضربت عمق دفاعات فيرونا، ليجد القناص راسموس هويلند نفسه في المكان المناسب، مودعاً الكرة الشباك ببراعة معلناً عن هدف التقدم المبكر.
هذا الهدف المبكر صبغ الشوط الأول بصبغة "جنوبية" خالصة، حيث سيطر رفاق كونتي على مجريات اللعب بنسبة استحواذ وصلت إلى 64%، معتمدين على تدوير الكرة القصير والمتقن، حيث بلغت تمريراتهم 574 تمريرة بدقة تنفيذ مذهلة وصلت إلى 87.6%. في المقابل، بدا هيلاس فيرونا تحت قيادة مدربه باولو ساماركو مرتبكاً ومحاصراً في مناطقه، يحاول لملمة أوراقه المبعثرة أمام طوفان نابولي، ولم تخلُ هذه الفترة من التدخلات البدنية القوية التي أسفرت عن بطاقة صفراء للاعب فيرونا دانييل أكبا أكبرو في الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع للشوط الأول.
انتفاضة "السكاليجري" وتوتر الأعصاب
مع انطلاق الشوط الثاني، تغيرت الأجواء تماماً. دخل هيلاس فيرونا بروح مختلفة، مدفوعاً برغبة جامحة في الهروب من قاع الترتيب، وبدأ يضغط بكل ثقله على حامل الكرة. وفي الدقيقة 64، انفجر الملعب فرحاً حين نجح دانييل أكبا أكبرو في تعويض بطاقته الصفراء بتسجيل هدف التعادل، مستغلاً هفوة دفاعية نادرة في الخط الخلفي لنابولي. هذا الهدف أعاد المباراة إلى نقطة الصفر، وأشعل الحماس في مدرجات "بينتجودي".
بدأت المباراة تأخذ طابعاً بدنياً عنيفاً، وتعددت الصافرات والبطاقات الملونة التي أشهرها الحكم كولومبو للسيطرة على الأجواب المشحونة. نال أنطونيو فيرجارا إنذاراً في الدقيقة 56، وتبعه إلجيف إلماس في الدقيقة 71، بينما حصل توماس سوسلوف وعبدو هاروي من جانب فيرونا على إنذارات متتالية، مما عكس حجم التوتر والصراع على كل شبر في الملعب.
تبديلات كونتي: قلب الطاولة في الوقت القاتل
عندما شعر أنطونيو كونتي أن النقاط الثلاث بدأت تتسرب من بين يديه، قرر التدخل بكل ثقله من دكة البدلاء. في الدقيقة 73، أجرى تبديلاً مزدوجاً كان له مفعول السحر، حيث دفع بالدبابة البلجيكية روميلو لوكاكو بدلاً من أليسون سانتوس، وأشرك بيلي جيلمور لضبط إيقاع الوسط. استمرت التبديلات بدخول سانتانا دو جيوفاني وباسكوالا مازوخي في الدقيقة 78، وهي التحركات التي أعادت التوازن والخطورة لهجمات نابولي.
ورغم محاولات فيرونا الصمود، واعتماده على الكرات الطويلة والالتحامات الهوائية التي تفوق فيها بـ 15 صراعاً هوائياً ناجحاً، إلا أن الضغط المستمر لنابولي كان ينبئ بانفجار وشيك. وبينما كان الجميع يستعد لصافرة النهاية بالتعادل، وفي الدقيقة السادسة بعد التسعين (90+6)، ارتقى البديل سانتانا دو جيوفاني ليلعب دور صانع الألعاب بامتياز، مهدياً كرة ذهبية للمتربص روميلو لوكاكو، الذي لم يتوانَ عن وضعها في المرمى، مفجراً بركاناً من الفرح في دكة بدلاء نابولي ولدى جماهيرهم الرحالة.
تحليل تقني: الاستحواذ في مواجهة الصمود
بلغة الأرقام، كان نابولي الأحق بالانتصار عطفاً على سيطرته الميدانية، حيث سدد 4 كرات على المرمى من أصل 7 محاولات، بينما اكتفى فيرونا بكرتين فقط على المرمى. التباين الواضح في جودة التمرير (503 تمريرة مكتملة لنابولي مقابل 241 لفيرونا) جعل الضيوف هم من يملكون زمام المبادرة طوال اللقاء. ومع ذلك، يُحسب لفيرونا قتاليته العالية وتشتيته للكرة في 8 مناسبات حاسمة، إلا أن الفوارق الفردية في اللحظات الحرجة هي من حسمت الموقعة.
البطاقات الصفراء التي بلغت 4 لنابولي و3 لفيرونا، تعكس ضراوة التنافس، خاصة إنذار لوكاكو الأخير الذي جاء نتيجة احتفاله الصاخب بالهدف القاتل، وهو إنذار لم يكن ليفسد فرحة المهاجم العملاق الذي أثبت مرة أخرى أنه رجل المواعيد الكبرى تحت قيادة مدربه المفضل كونتي.
الخاتمة: نابولي يثبت أقدامه في القمة
بهذا الانتصار الدرامي، رفع نابولي رصيده إلى 53 نقطة، معززاً مكانه في المركز الثالث بجدول الترتيب، ليواصل مطاردة المتصدرين ويبقي على آماله الكبيرة في المنافسة على اللقب أو على الأقل ضمان مقعد مؤهل لدوري الأبطال. أما هيلاس فيرونا، فقد تجمد رصيده عند 15 نقطة في المركز العشرين والأخير، وهي نتيجة قاسية جداً قياساً بالمجهود الذي بذلوه، لتزداد مهمتهم صعوبة في صراع البقاء.
لقد كانت ليلة فيرونا شاهداً جديداً على أن كرة القدم الإيطالية لا تعترف بالمنطق حتى يطلق الحكم صافرته النهائية، وأن الفرق الكبيرة هي التي تعرف كيف تنتزع النقاط من فم الأسد حتى في أسوأ أيامها. نابولي يعود إلى الجنوب بثلاث نقاط من ذهب، وفيرونا يبقى غارقاً في أحزانه بانتظار معجزة تنقذه من شبح الهبوط.


