ريمونتادا الجنوب: نابولي يروض ذئاب ليتشي في ليلة مارادونية بامتياز
تحت أضواء ستاد دييغو ارماندو مارادونا الكاشفة، وفي ليلة امتزج فيها صخب الجماهير بعبق التاريخ، سطر نادي نابولي فصلاً جديداً من فصول الإثارة في الدوري الإيطالي. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت اختباراً حقيقياً لشخصية "البارتينوبي" تحت قيادة المحنك أنطونيو كونتي، الذي عرف كيف يحول تأخره المفاجئ إلى انتصار ثمين بنتيجة 2-1 على حساب ليتشي العنيد، في مواجهة حبست الأنفاس حتى صافرة الحكم روساريو أبيسو الأخيرة.
صدمة البداية.. ليتشي يباغت "البارتينوبي"
لم يكد الجمهور ينهي أهازيجه الافتتاحية حتى خيم الصمت على أرجاء الملعب في الدقيقة الثالثة فقط. ومن هجمة منظمة، استطاع أنطونيو جالا ببراعة فائقة أن يمرر كرة حاسمة وضعت زميله جميل سيبرت في مواجهة المرمى، ليودعها الأخير الشباك معلناً عن هدف التقدم لليتشي. كانت البداية كابوسية لكتيبة كونتي، حيث بدا ليتشي، بقيادة مدربه يوسيبيو دي فرانتشيسكو، منظماً وشرساً في الضغط العالي.
حاول نابولي استعادة توازنه سريعاً، وبدأ بشن الهجمات المتتالية، إلا أن دفاع ليتشي كان بالمرصاد. ومع مرور الوقت، بدأت الأعصاب تتوتر، وهو ما تجلى في الدقيقة 19 عندما أشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجه صاحب الهدف جميل سيبرت نتيجة تدخل قوي، في إشارة واضحة إلى أن الضيوف لن يتنازلوا عن نقاط المباراة بسهولة. انتهى الشوط الأول بتقدم ليتشي، وسط حيرة من جماهير نابولي التي كانت تنتظر رد فعل أقوى من فريقها الذي يصارع في مقدمة الترتيب.
ثورة كونتي.. تبديلات غيرت وجه المباراة
بين شوطي المباراة، كان من الواضح أن أنطونيو كونتي لم يكن راضياً عما قدمه فريقه. ومع انطلاق الشوط الثاني، أجرى "المستر" تغييرات جذرية قلبت الموازين؛ حيث سحب كلاً من إلجيف إلماس وفرانك انغويسا، ليدفع بالثنائي القوي سكوت ماكتومناي والمايسترو كيفين دي بروين. هذه التبديلات لم تكن لتنشيط الوسط فحسب، بل كانت إعلاناً عن بدء "ثورة الجنوب".
ولم تمر سوى ثوانٍ معدودة على انطلاق الصافرة في الدقيقة 46، حتى انفجر الملعب فرحاً. فمن لمسة فنية من ماتيو بوليتانو، وصلت الكرة إلى القناص راسموس هويلند الذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. كان الهدف بمثابة جرعة أكسجين للاعبي نابولي، الذين بدأوا بفرض حصار شامل على مناطق ليتشي، مستفيدين من حيوية دي بروين ورؤيته الثاقبة للملعب.
بوليتانو يوقع على صك الانتصار
استمر الضغط النابولي وسط تراجع دفاعي واضح من ليتشي الذي حاول مدربه دي فرانتشيسكو إنعاش هجومه بإدخال وليد شديرة بدلاً من نيكولا شتوليتش في الدقيقة 59، لكن الزخم كان لصالح أصحاب الأرض. وفي الدقيقة 67، توج ماتيو بوليتانو مجهوداته الكبيرة بتسجيل الهدف الثاني، واضعاً نابولي في المقدمة ومشعلاً المدرجات الزرقاء التي لم تتوقف عن الهتاف باسمه.
بعد الهدف، لجأ كونتي إلى تأمين دفاعاته وإدارة المخزون البدني للاعبيه، فأجرى تبديلات تكتيكية في الدقيقة 72 بدخول ميجل جوتيريز وباسكوالا مازوخي بدلاً من نجم المباراة بوليتانو وليوناردو سبينازولا. ورغم محاولات ليتشي في الدقائق الأخيرة، وتغييراته التي شملت دخول كونان اندري وكوري ندابا وصادق فوفانا، إلا أن دفاع نابولي ظل صامداً كجبل "فيزوف".
تحليل فني: حنكة المدرب وعمق التشكيلة
أثبتت المباراة أن قوة نابولي هذا الموسم تكمن في "دكة البدلاء" وقدرة المدرب على قراءة الخصم. إحصائياً، كان نابولي الطرف الأفضل في الاستحواذ وخلق الفرص، خاصة في الشوط الثاني. دخول دي بروين منح الفريق سلاسة في نقل الكرة، بينما أضاف ماكتومناي الصلابة المطلوبة في الالتحامات. في المقابل، دفع ليتشي ثمن تراجعه المبالغ فيه بعد تسجيل الهدف المبكر، وفشل في الحفاظ على نسقه البدني أمام ضغط نابولي المتواصل.
التغييرات المتأخرة في الدقيقة 85 بدخول سانتانا دو جيوفاني بدلاً من أليسون سانتوس لنابولي، كانت تهدف لقتل الوقت المتبقي وضمان النقاط الثلاث، وهو ما تحقق بالفعل بفضل الانضباط التكتيكي العالي الذي فرضه كونتي في الدقائق الأخيرة من عمر اللقاء الذي امتد لثماني دقائق كوقت بدل ضائع.
الخاتمة: نابولي يواصل الزحف نحو القمة
بهذا الانتصار الصعب والمستحق، رفع نابولي رصيده إلى 59 نقطة، معززاً موقعه في المركز الثالث ضمن جدول ترتيب الدوري الإيطالي، ومواصلاً مطاردة المتصدرين. هذا الفوز يحمل قيمة معنوية هائلة، فهو يؤكد أن الفريق قادر على العودة في النتيجة "الريمونتادا" تحت الضغط، وهو مؤشر قوي على نضج المجموعة.
أما ليتشي، فرغم الخسارة، فقد قدم مباراة بطولية تؤكد رغبته في البقاء ضمن أندية الصفوة، حيث تجمد رصيده عند 27 نقطة في المركز السادس عشر. غادرت الجماهير ستاد دييغو ارماندو مارادونا وهي تردد أسماء أبطالها، مدركة أن الطريق نحو "الاسكوديتو" لا يزال طويلاً، لكن بوجود روح قتالية كهذه، يبدو أن أحلام الجنوب لا سقف لها.


