زئير "رادس" يحسم الملحمة: توغاي يقود الترجي لتخطى عقبة الأهلي في ليلة أفريقية خالدة
تحت أضواء كاشفة لم تنطفئ، وفي ليلة تونسية امتزج فيها صخب المدرجات بعبق التاريخ، احتضن الملعب الأولمبي حمادي العقربي فصلاً جديداً من فصول الإثارة الكروية التي لا تنتهي بين قطبي القارة السمراء. في مواجهة لم تكن مجرد مباراة في ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا، بل كانت صراع إرادات، نجح الترجي الرياضي التونسي في انتزاع فوز ثمين وصعب على ضيفه الأهلي المصري بهدف نظيف، ليرسم "شيخ الأندية التونسية" لوحة من الصمود والذكاء التكتيكي أمام "المارد الأحمر".
رادس.. مرجل يغلي وصراع العقول فوق العشب الأخضر
منذ ساعات الظهيرة، كانت الطرق المؤدية إلى ضاحية رادس تضج بالهتافات، واللونان الأحمر والأصفر يغطيان كل زاوية في مشهد مهيب. دخل المدرب باتريس بوميل المباراة وهو يدرك أن مواجهة فريق بحجم الأهلي تتطلب نفساً طويلاً وهدوءاً أعصاب، بينما كان نظيره جيس توروب يطمح للعودة بنتيجة إيجابية تعبد له طريق العبور. ومع صافرة الحكم السنغالي عيسى سي، تحول الملعب إلى ساحة معركة كروية، حيث ساد الحذر والترقب في الدقائق الأولى، مع ضغط جماهيري جعل الكرة تبدو أثقل مما هي عليه في أقدام اللاعبين.
بدأت المباراة بإيقاع سريع وتدخلات بدنية قوية تعكس قيمة الرهان، ولم يتأخر الحكم في إشهار البطاقات الصفراء لضبط الانفعالات، فكان محمد هاني أول من تذوق مرارة الإنذار في الدقيقة 26 بعد تدخل لتعطيل هجمة تونسية واعدة. ولم تمضِ سوى ثلاث دقائق حتى لحق به لاعب الترجي أونوتشي أوغبيلو في الدقيقة 29 نتيجة التحام قوي في وسط الملعب، ليعلن الشوط الأول عن نفسه كشوط "تكسير العظام" بامتياز، حيث انتهى بالتعادل السلبي وسط استحواذ أهلاوي طفيف لم يترجم إلى تهديد حقيقي على المرمى.
تحولات بوميل التكتيكية: الشوط الثاني يشتعل
مع انطلاق الشوط الثاني، أثبت باتريس بوميل جرأته الفنية بإجراء تبديلين دفعة واحدة، حيث سحب معز الحاج علي ومحمد دراجر، ليدفع بكل من عبد الرحمن كوناتي وابراهيما كيتا في محاولة لضخ دماء جديدة في الأطراف وتنشيط العملية الهجومية. هذا التغيير أعطى الترجي أفضلية في التحول من الدفاع إلى الهجوم، وبدأ الفريق التونسي يكسر حصار الأهلي الذي اعتمد على الاستحواذ السلبي بنسبة وصلت إلى 54%، لكن دون فاعلية تذكر على المرمى.
في الدقيقة 63، استمر بوميل في رهاناته، فدفع باللاعب كوسيلة بوعلية بدلاً من جاك ديارا، وهو التغيير الذي زاد من ارتباك الدفاع الأهلاوي. الضغط المتواصل للترجي أثمر أخيراً عن لحظة الانفجار في الدقيقة 73، عندما احتسب الحكم عيسى سي ركلة جزاء لصالح أصحاب الأرض. انبست الأنفاس في المدرجات، وتقدم المدافع الجزائري الصلب محمد أمين توغاي بكل ثبات، ليضع الكرة في الشباك معلناً عن الهدف الأول والوحيد، ومحولا رادس إلى بركان من الفرح الهستيري.
طوفان التبديلات وصمود "الدم والذهب"
بعد الهدف، حاول جيس توروب تدارك الموقف بسلسلة من التبديلات الهجومية في الدقيقة 77، حيث أخرج أشرف بن شرقي وأحمد نبيل كوكا، ليدفع بـ مروان عطية ومروان عثمان. وفي المقابل، كان الترجي يرد بتعزيز دفاعاته عبر دخول محمد بن علي بدلاً من حمزة الجلاصي. التوتر بلغ ذروته في الدقائق العشر الأخيرة، وظهرت العصبية على لاعبي الأهلي، مما أدى لحصول ياسر ابراهيم على بطاقة صفراء في الدقيقة 78، وتبعه يوسف بلعمري بإنذار آخر في الدقيقة 82.
لم يكتفِ بوميل بالدفاع، بل دفع بالخبير يوسف المساكني في الدقيقة 83 بدلاً من يان ساس لامتلاك الكرة وقتل الوقت بذكاء. وفي الرمق الأخير، حاول توروب رمي آخر أوراقه بدخول حسين الشحات وطاهر محمد طاهر بدلاً من تريزيجيه وإمام عاشور في الدقيقة 87، لكن دفاع الترجي ومن خلفه الحارس والجمهور كانوا سداً منيعاً أمام كل المحاولات المصرية التي افتقدت للتركيز أمام المرمى، حيث اكتفى الأهلي بتسديدة واحدة فقط على المرمى طوال المباراة.
قراءة فنية: عندما تتفوق الفعالية على الاستحواذ
رغم أن لغة الأرقام تشير إلى تفوق الأهلي في عدد التمريرات (249 تمريرة مقابل 215 للترجي) ونسبة الاستحواذ، إلا أن الواقع فوق الميدان كان يقول إن الترجي كان الأكثر خطورة وفاعلية. فقد سدد لاعبو الترجي 3 كرات على المرمى من أصل 3 محاولات، بينما عانى الأهلي من العقم الهجومي رغم سيطرته الميدانية. التبديلات التي أجراها بوميل كانت بمثابة "كلمة السر"، حيث نجح في عزل مفاتيح لعب الأهلي ومنع إمام عاشور وبن شرقي من تشكيل أي خطورة حقيقية قبل خروجهما.
تميزت المباراة أيضاً بالقوة البدنية في الكرات العالية، حيث تفوق لاعبو الأهلي في الصراعات الهوائية بـ 6 مرات مقابل 3 للترجي، لكن هذه السيطرة الجوية لم تستغل في الكرات العرضية التي شتتها دفاع الترجي ببراعة، مسجلاً 10 عمليات تشتيت ناجحة حافظت على نظافة الشباك حتى الصافرة النهائية التي أطلقت الأفراح في العاصمة التونسية.
الخاتمة: خطوة نحو المجد القاري
بهذا الانتصار الثمين، يضع الترجي الرياضي قدماً في المربع الذهبي، مستفيداً من صلابته الدفاعية وروح لاعبيه القتالية. إنها نتيجة تعيد الثقة لكتيبة بوميل وتؤكد أن الترجي في رادس لا يقهر، خاصة في المواعيد الكبرى. أما الأهلي المصري، فسيكون عليه مراجعة أوراقه والبحث عن حلول هجومية ناجعة في مباراة الإياب، لأن مواجهة فريق بحجم الترجي تتطلب ما هو أكثر من مجرد الاستحواذ؛ تتطلب الحسم الذي غاب عنهم في ليلة رادس الحزينة للمصريين، والسعيدة جداً للتونسيين.

