ليلة الصمود في السويس: طلائع الجيش يعبر عقبة سيراميكا بماراثون ركلات الترجيح
تحت أضواء ستاد هيئة قناة السويس الكاشفة، وفي ليلة كروية حبست أنفاس المتابعين، احتضنت مدينة الإسماعيلية فصلاً جديداً من فصول الإثارة في كأس مصر. لم تكن مجرد مباراة في ربع النهائي، بل كانت ملحمة تكتيكية امتدت لمئة وعشرين دقيقة من الصراع البدني والذهني، انتهت بابتسامة عريضة لكتيبة طلائع الجيش التي حسمت تأهلها إلى المربع الذهبي بفضل ركلات الترجيح بنتيجة 6-5، بعد صيام تهديفي استمر طوال الوقتين الأصلي والإضافي.
صراع العقول فوق العشب الأخضر
دخل الفريقان أرض الملعب وعين كل منهما على تذكرة العبور لنصف النهائي. علي ماهر، المدير الفني لسيراميكا كليوباترا، راهن على الاستحواذ والضغط العالي، بينما اعتمد جمعة مشهور، مدرب طلائع الجيش، على التنظيم الدفاعي المحكم والتحولات السريعة. منذ صافرة البداية التي أطلقها الحكم محمد التابعي الغازي، بدت الأجواء مشحونة بالترقب؛ فالخطأ هنا يعني الوداع، والمخاطرة غير المحسوبة قد تنهي أحلام البطولة.
بدأت المباراة بجس نبض استمر طويلاً، حيث انحصر اللعب في وسط الميدان مع أفضلية نسبية لسيراميكا في السيطرة على الكرة. ومع مرور الدقائق، بدأت الخشونة تظهر في الالتحامات البدنية، مما استدعى تدخل الحكم لضبط الإيقاع. وفي الدقيقة 43، نال محمد فتح الله، مدافع الطلائع، البطاقة الصفراء الأولى بعد تدخل قوي لإيقاف هجمة واعدة، لتنتهي الحكاية الأولى من اللقاء بتعادل سلبي يعكس الحذر الشديد بين الطرفين.
الشوط الثاني.. تبديلات تكتيكية وصراع البطاقات
مع انطلاق الشوط الثاني، ارتفعت حدة التوتر. سيراميكا كليوباترا حاول تنويع اللعب عن طريق الأطراف، لكن دفاع الجيش كان بالمرصاد. وفي الدقيقة 53، أشهر الحكم بطاقة صفراء في وجه المهاجم فخري لاكاي نتيجة الاعتراض، تبعها بسبع دقائق إنذار آخر لزميله أحمد بلحاج في الدقيقة 60، مما عكس حالة التسرع التي أصابت لاعبي سيراميكا في رغبتهم لفك شفرات الدفاع العسكري.
شعر المدربان بضرورة التدخل لتجديد الدماء؛ فبدأ جمعة مشهور سلسلة تبديلاته في الدقيقة 66 بخروج خالد أبو زيادة ودخول يحيي مصطفي، ثم أتبعها بدخول رجب عمران بدلاً من إسلام محارب في الدقيقة 67. رد علي ماهر لم يتأخر كثيراً، حيث دفع بـ عمرو قلاوة ومحمد رضا بدلاً من أيمن موكا وأحمد بلحاج في الدقيقتين 73 و74 على التوالي. هذه التغييرات أضفت حيوية على الأداء، لكنها لم تكسر صمود الشباك، لينتهي الوقت الأصلي بالتعادل السلبي وسط تألق لافت لخطوط الدفاع من الجانبين.
الأشواط الإضافية.. استنزاف بدني ودراما اللحظات الأخيرة
دخل الفريقان نفق الأشواط الإضافية والجهد البدني قد نال من الجميع. استمر المدرب جمعة مشهور في استغلال دكته، فدفع بـ غيث المدادحة وفارس حاتم في الدقيقة 82، بينما حاول علي ماهر تأمين جبهته اليسرى بدخول حسين السيد بدلاً من كريم الدبيس في الدقيقة 98. ورغم المحاولات الخجولة هنا وهناك، ظلت الخطورة غائبة عن المرميين، وشهدت الدقيقة 105 حصول رجب عمران على بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن.
في الشوط الإضافي الثاني، ومع اقتراب شبح ركلات الترجيح، أجرى الفريقان تبديلات "تكتيكية" بحتة؛ فدخل فريدي مايكل كوابلان في صفوف سيراميكا بدلاً من لاكاي في الدقيقة 113، بينما أجرى طلائع الجيش تبديلاً مزدوجاً في الدقيقة 119 بدخول أبو بكر كيتا ومحمد هاني ابراهيم لتعزيز القدرة على تنفيذ ركلات الجزاء، ليطلق الحكم صافرته معلناً نهاية الـ 120 دقيقة بالتعادل 0-0.
ركلات المعاناة وحسم الهوية
انتقلت المباراة إلى نقطة الجزاء، حيث تقرر المصائر بلمسة واحدة. ساد الصمت أرجاء الملعب، واصطف اللاعبون في دائرة المنتصف يترقبون كل ركلة. كانت الأعصاب مشدودة إلى أقصى حد، وكل ركلة ناجحة كانت تقابلها صرخة ارتياح من دكة البدلاء. استمر المارثون ركلة بركلة، حتى مالت الكفة في النهاية لصالح طلائع الجيش الذي نجح في تسجيل 6 ركلات مقابل 5 ركلات لسيراميكا كليوباترا.
بهذا الفوز الشاق، يبرهن طلائع الجيش على شخصيته القوية وقدرته على تسيير المباريات الكبرى نحو بر الأمان، معتمداً على انضباط تكتيكي عالٍ وروح قتالية لم تنطفئ حتى اللحظة الأخيرة. أما سيراميكا كليوباترا، فقد غادر البطولة برأس مرفوعة بعد أداء فني محترم، لكنه اصطدم بجدار دفاعي صلب وحظ عاثر في ركلات الترجيح.
الخلاصة: انتصار الإرادة والتنظيم
لقد كانت مباراة ربع نهائي كأس مصر درساً في الصبر الكروي. لم تكن الأهداف هي العنوان، بل كان الصمود هو البطل الحقيقي. تأهل طلائع الجيش يعني استمرار طموحه في معانقة اللقب، وهو فوز سيمنح كتيبة جمعة مشهور دفعة معنوية هائلة في الأدوار القادمة. وفي المقابل، سيعود علي ماهر ولاعبوه لدراسة تفاصيل هذه المواجهة، مدركين أن مباريات الكؤوس تُكسب ولا تُعب، وأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق دائماً في ليالي السويس الكروية.


