صراع الإرادة في قلب العاصمة: نجم بن عكنون يروض طموح مولودية البيض بهدف ذهبي
تحت سماء العاصمة الجزائرية، وفي ظهيرة ربيعية من شهر مارس لعام 2026، احتضنت أرضية الملعب فصلاً جديداً من فصول الإثارة في الرابطة الجزائرية المحترفة الأولى. كانت الأجواء مشحونة بتوقعات متباينة، حيث التقى طموح نجم بن عكنون الساعي لتثبيت أقدامه في المناطق الدافئة بوسط الجدول، مع إصرار مولودية البيض التي تقاتل في صراع مرير للهروب من شبح الهبوط. اللقاء لم يكن مجرد مباراة كرة قدم عادية، بل كان اختباراً حقيقياً للشخصية والقدرة على تحمل الضغوط في الأمتار الأخيرة من عمر الدوري.
أجواء مشحونة وطموحات متباينة قبل صافرة البداية
دخل الفريقان أرضية الملعب وسط أهازيج الجماهير التي ملأت المدرجات، مدركة تماماً أن هذه النقاط الثلاث قد تكون هي الفاصلة في تحديد مصير الموسم. نجم بن عكنون، صاحب الأرض والجمهور، دخل اللقاء وهو يحتل المركز السادس برصيد 30 نقطة، منتشياً بنتائجه المتذبذبة مؤخراً ولكنه عازم على استعادة نغمة الانتصارات. في المقابل، كانت مولودية البيض تقبع في المركز الخامس عشر، المركز الذي يضعها في مهب ريح الدرجة الثانية، برصيد 16 نقطة فقط، مما جعل من كل دقيقة في هذه المباراة بمثابة نهائي كؤوس لا يقبل القسمة على اثنين.
كانت نظرات اللاعبين في الممر المؤدي للملعب تلخص كل شيء؛ التوتر كان بادياً على وجوه لاعبي البيض، بينما كانت الثقة والهدوء هما السمة الغالبة على ملامح لاعبي بن عكنون. ومع إطلاق الحكم لصافرة البداية، انطلقت معها صرخات المدرجات، معلنة بدء معركة تكتيكية كبرى فوق المستطيل الأخضر.
الشوط الأول: حذر تكتيكي ومعركة في وسط الميدان
بدأ الشوط الأول بإيقاع سريع من جانب أصحاب الأرض، حيث حاول لاعبو نجم بن عكنون فرض أسلوبهم من خلال الاستحواذ على الكرة وتدويرها في وسط الملعب لفتح ثغرات في دفاعات مولودية البيض المتكتلة. اعتمد الضيوف على نهج دفاعي صارم، معتمدين على إغلاق المساحات والاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة التي كانت تشكل خطورة نسبية، مستغلين اندفاع لاعبي بن عكنون نحو الأمام.
مرت الدقائق الأولى وسط صراع بدني قوي في منطقة العمليات، حيث شهدنا العديد من التدخلات القوية التي استوجبت يقظة الحكم للسيطرة على مجريات اللعب. نجم بن عكنون حاول تنويع اللعب عبر الأطراف، لكن عرضياتهم كانت تصطدم دائماً بيقظة حارس مرمى مولودية البيض وقلبي الدفاع الذين استبسلوا في إبعاد الخطر. ورغم السيطرة الميدانية للنجم، إلا أن اللمسة الأخيرة كانت غائبة، لينتهي الشوط الأول بالتعادل السلبي، وسط حالة من القلق بدأت تتسرب إلى جماهير أصحاب الأرض.
الشوط الثاني: لحظة الحسم وانفجار الفرحة
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى مدربو الفريقين بعض التعديلات التكتيكية لزيادة الفعالية الهجومية. دخل نجم بن عكنون بضغط عالٍ جداً، مدركاً أن الوقت يمر ليس في صالحه. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى جاءت اللحظة التي انتظرها الجميع؛ هجمة منظمة بدأت من وسط الملعب، سلسلة من التمريرات القصيرة المتقنة انتهت بكرة عرضية زاحفة لم يتوانَ مهاجم النجم في إيداعها الشباك، معلناً عن هدف التقدم الغالي لصالح أصحاب الأرض.
اشتعلت المدرجات فرحاً بهذا الهدف الذي كسر صمود الضيوف. هذا الهدف لم يغير النتيجة فحسب، بل غير شكل المباراة تماماً. اضطر لاعبو مولودية البيض للتخلي عن حذرهم الدفاعي والاندفاع نحو الهجوم بحثاً عن هدف التعادل الذي قد يبقي على آمالهم في البقاء. هذا الاندفاع منح مساحات شاسعة للاعبي بن عكنون الذين كادوا أن يضاعفوا النتيجة في أكثر من مناسبة لولا التسرع تارة وتألق الحارس تارة أخرى.
شهدت الدقائق الأخيرة توتراً كبيراً، حيث حاول الضيوف بكل قوتهم الوصول إلى المرمى، واعتمدوا على الكرات الطويلة والكرات الثابتة التي حبست أنفاس الجميع في الملعب. صرخات المدربين من على خط التماس كانت مسموعة، والتوتر بلغ ذروته مع اقتراب المباراة من نهايتها. لكن دفاع نجم بن عكنون كان صامداً كالجبل، وأحبط كل المحاولات بتركيز عالٍ وتنظيم دفاعي محكم.
قراءة فنية: كيف تسيّر المباريات المعقدة؟
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن نجم بن عكنون استحق الفوز بفضل سيطرته على مجريات اللعب بنسبة استحواذ تجاوزت الستين بالمئة. التبديلات التي أجريت في الشوط الثاني كان لها دور محوري في تنشيط الجبهة الهجومية ومنح الفريق نفساً جديداً في وقت كان فيه الإرهاق قد بدأ ينال من اللاعبين. في المقابل، عانت مولودية البيض من نقص الفعالية الهجومية، حيث لم تنجح سوى في تسديد كرتين فقط على المرمى طوال التسعين دقيقة، وهو رقم يوضح الصعوبات الكبيرة التي يواجهها الفريق في تسجيل الأهداف هذا الموسم، حيث سجلوا 13 هدفاً فقط في 22 مباراة.
التزام لاعبي النجم بالتعليمات التكتيكية والانضباط الدفاعي كانا المفتاح الحقيقي لهذا الانتصار. لقد عرفوا كيف يمتصون حماس الضيوف في اللحظات الأخيرة، وكيف يحافظون على هدوئهم تحت الضغط، مما يعكس النضج الفني الذي وصل إليه الفريق هذا الموسم تحت قيادة جهازه الفني.
الخاتمة: ثلاث نقاط بوزن الذهب في مسار الدوري
مع إطلاق الحكم لصافرة النهاية، أعلن رسمياً فوز نجم بن عكنون بنتيجة 1-0، ليرفع رصيده إلى النقطة 33، معززاً مكانه في المركز السادس ومقترباً أكثر من فرق المقدمة. هذا الفوز يمثل دفعة معنوية هائلة للفريق، ويؤكد أنه رقم صعب في معادلة الدوري الجزائري هذا العام، خاصة مع تحقيقه لثمانية انتصارات حتى الآن.
أما بالنسبة لـ مولودية البيض، فإن هذه الخسارة تعمق جراح الفريق وتجعل مهمة البقاء في "المحترف الأول" أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. تجمد رصيدهم عند 16 نقطة في المركز قبل الأخير، مما يضعهم أمام حتمية الفوز في جميع مبارياتهم القادمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. غادر لاعبو البيض الملعب برؤوس مطأطأة، بينما احتفل لاعبو بن عكنون مع جماهيرهم بانتصار لم يكن سهلاً، لكنه كان مستحقاً بكل المقاييس في ليلة كروية ستبقى محفورة في ذاكرة مشجعي النجم.


