ليلة "الدم والذهب" في بولار دولولي: لانس يكتسح تولوز ويعبر إلى نهائي الحلم
تحت أضواء ملعب "بولار دولولي" التاريخية، وفي ليلة امتزج فيها صخب الجماهير برائحة العشب المبلل، رسم نادي راسينج كلوب دي لانس لوحة كروية مبهرة، معلناً عن نفسه طرفاً أول في نهائي كأس فرنسا. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت استعراضاً للقوة والسطوة، حيث نجح "الدم والذهب" في ترويض "البنفسجي" نادي تولوز برباعية مقابل هدف وحيد، في لقاء شهد تفوقاً تكتيكياً كاسحاً لكتيبة المدرب بيير ساج، وسط خيبة أمل كبيرة لرجال المدرب كارليس مارتينيز.
بداية عاصفة وصمود لم يدم طويلاً
منذ الصافرة الأولى للحكم ويلي دلجود، كان من الواضح أن لانس لا ينوي الانتظار. ضغط رهيب وأجواء مشحونة في المدرجات جعلت لاعبي تولوز يشعرون بوطأة المسؤولية مبكراً. لم تمضِ سوى ثماني دقائق حتى ارتكب المدافع ايمرسون خطأً فادحاً كلفه بطاقة صفراء ومنح لانس ركلة جزاء. انبرى للكرة القناص فلوران توفين، وببرود أعصاب يحسد عليه، وضع الكرة في الشباك في الدقيقة التاسعة، مفجراً بركان الفرح في جنبات الملعب.
هذا الهدف لم يكن سوى فاتحة الشهية؛ ففي الدقيقة الثامنة عشرة، عاد فلوران توفين ليلعب دور صانع الألعاب هذه المرة، حيث أرسل تمريرة سحرية وضعت المشاكس ألان سان ماكسيمان في مواجهة المرمى، ليضاعف النتيجة بهدف ثانٍ جعل مدرجات بولار دولولي تهتز طرباً. بدا لانس في تلك اللحظات وكأنه يعزف سيمفونية منفردة، مستحوذاً على الكرة بنسبة وصلت إلى 60%، ومحاصراً خصمه في مناطق دفاعه.
تولوز يستفيق ولكن.. لدغات لانس لا ترحم
وسط هذا الضغط، حاول تولوز العودة إلى أجواء اللقاء، وبالفعل نجح في تقليص الفارق سريعاً في الدقيقة الحادية والعشرين. تمريرة ذكية من ايمرسون، الذي حاول التكفير عن خطأ ركلة الجزاء، وصلت إلى سانتياجو هيدالجو الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معيداً بصيص الأمل لجماهير تولوز الرحالة. لكن هذا الأمل اصطدم بجدار دفاعي صلب ومنظومة هجومية لا تهدأ من جانب لانس.
ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، وتحديداً في الدقيقة الخامسة والثلاثين، برز النجم السعودي سعود عبد الحميد بانطلاقة سريعة على الرواق، مرسلاً عرضية متقنة ارتقى لها ماثيو اودول وحولها إلى هدف ثالث قتل الكثير من طموحات الضيوف. انتهى الشوط الأول بتقدم لانس 3-1، وسط إحصائيات تؤكد السيطرة المطلقة بـ 12 تسديدة إجمالية مقابل 5 فقط لتولوز.
صراع التكتيك والتبديلات في الشوط الثاني
دخل الفريقان الشوط الثاني برغبات متفاوتة؛ لانس يسعى للسيطرة وتسيير الرتم، وتولوز يحاول يائساً العودة. اتسم اللعب في البداية بالندية والتدخلات القوية، مما أجبر الحكم على إشهار البطاقة الصفراء في وجه كريستيان كاسيريس جونيور في الدقيقة الثامنة والخمسين. ومع وصول المباراة للدقيقة الرابعة والستين، قرر المدربان إجراء تغييرات جذرية لتنشيط الصفوف.
دفع بيير ساج بكل من أرثر ماسواكو وويسلي سعيد بدلاً من بايدو وسان ماكسيمان، بينما حاول كارليس مارتينيز الرد بإقحام جاكين راسل روي وأليكسيس فوساه. هذه التبديلات أعطت لانس نفساً جديداً، خاصة مع استمرار تألق سعود عبد الحميد الذي كان شعلة نشاط لا تنطفئ في الجهة اليمنى.
رصاصة الرحمة والعبور التاريخي
في الدقيقة الرابعة والسبعين، عاد سعود عبد الحميد ليؤكد قيمته الكبيرة في التشكيلة، بصناعته للهدف الرابع الذي سجله أدريان تومسون. كان هذا الهدف بمثابة "رصاصة الرحمة" التي أنهت المباراة إكلينيكياً. بعدها توالت التبديلات من الجانبين، حيث خرج سعود وسط تصفيق حار ليحل مكانه روبن اجولار، كما دخل أمادو حيدرا بدلاً من المتألق توفين.
الدقائق الأخيرة شهدت محاولات خجولة من تولوز لتجميل النتيجة، لكن دفاع لانس المنظم حال دون ذلك. ومع إطلاق الحكم ويلي دلجود صافرة النهاية، انطلقت الاحتفالات الصاخبة في لانس. الفريق لم يكتفِ بالفوز، بل قدم درساً في الفعالية الهجومية بتسجيله 4 أهداف من أصل 9 تسديدات على المرمى، مع دقة تمرير وصلت إلى 84.5%.
الخلاصة: لانس يكتب التاريخ
بهذا الانتصار العريض، حجز راسينج كلوب دي لانس مقعده في نهائي كأس فرنسا، مؤكداً أنه يعيش واحدة من أفضل فتراته الكروية. نجح بيير ساج في قراءة المباراة ببراعة، مستغلاً سرعات أجنحته وتفوق لاعبي الوسط في عملية الاسترجاع والبناء. أما تولوز، فعليه العودة لمراجعة حساباته الدفاعية بعد أن عجز عن مجاراة إيقاع لانس السريع.
لقد كانت ليلة للذكرى في ملعب بولار دولولي، ليلة أثبت فيها لانس أن طموحه لا يتوقف عند حدود نصف النهائي، بل يمتد لمعانقة الكأس الغالية، وسط دعم جماهيري منقطع النظير يرى في هذا الجيل القدرة على إعادة هيبة النادي في منصات التتويج.


