ملحمة "لا كارتوخا": ريال سوسيداد يروّض "روخي بلانكوس" ويتوج بطلاً لكأس الملك بركلات الترجيح
تحت أضواء مدينة إشبيلية الساحرة، وفي قلب ملعب "لا كارتوخا" الذي اكتسى بحلل الفخر والترقب، كُتب فصل جديد من فصول تاريخ الكرة الإسبانية. لم تكن مجرد مباراة نهائية على لقب كأس ملك إسبانيا، بل كانت صراعاً ملحمياً بين إرادة "التشولو" دييجو سيميوني وطموح بيليجرينو ماتارازو، في ليلة حبست أنفاس الملايين وانتهت بتتويج درامي لـ ريال سوسيداد بركلات الترجيح بعد ماراثون كروي استمر لـ 120 دقيقة من الإثارة الخالصة.
صدمة البداية وإعصار "الباسك" المبكر
لم يكد الحكم خافيير البيرولا روجاس يطلق صافرة البداية، حتى اهتزت أركان الملعب بزلزال مفاجئ. في الدقيقة الأولى تماماً، وبينما كان لاعبو أتلتيكو مدريد يحاولون تلمس مواقعهم في الملعب، انطلق جونسالو جيديس بلمحة فنية ساحرة، مهدياً كرة مقشرة لزميله اندير بارينتكسيا الذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك، معلناً عن هدف التقدم لـ ريال سوسيداد. هذه الصدمة المبكرة أربكت حسابات سيميوني، وأشعلت مدرجات الفريق الباسكي الذي بدا وكأنه جاء ليختطف اللقب منذ اللحظة الأولى.
لكن أتلتيكو مدريد، المعروف بروح القتال التي لا تلين، لم يستسلم للذهول. بدأ الفريق المدريدي في تنظيم صفوفه، مستحوذاً على الكرة بنسبة وصلت إلى 65%، محاولاً اختراق الحصون الدفاعية المنظمة التي نصبها ماتارازو. وفي الدقيقة 18، تجلت خبرة النجم الفرنسي أنطوان غريزمان، الذي مرر كرة حريرية ضربت خطوط الدفاع، لتجد القناص أديمولا لوكمان الذي لم يخطئ المرمى، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر وسط زئير جماهير الروخي بلانكوس.
توتر الأعصاب ودراما ركلات الجزاء
مع مرور الوقت، تصاعدت حدة التوتر في الملعب، وظهرت البطاقات الملونة لتعكس حجم الضغط النفسي. نال ميكيل ايارزابال إنذاراً في الدقيقة 31، تبعه مدافع الأتليتي روبن نورماند في الدقيقة 33. وقبل نهاية الشوط الأول بلحظات، ارتكب الحارس جوان موسو خطأً فادحاً كلفه بطاقة صفراء وركلة جزاء ضد فريقه. انبرى لها القائد ميكيل ايارزابال بهدوء يحسد عليه في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع، واضعاً الكرة في الشباك ليخرج سوسيداد متقدماً في الشوط الأول بنتيجة 2-1.
شطرنج المدربين وعودة "العنكبوت"
في الشوط الثاني، تحولت المباراة إلى مباراة شطرنج بين المدربين. سيميوني، الذي شعر بضياع الوقت، أجرى تبديلات هجومية جريئة في الدقيقة 62 بسحب لوكمان وماتيو روجيري، وإقحام نيكولاس جونزاليز والعملاق الكسندر سورلوث. رد عليه ماتارازو بتبديلات تنشيطية في الدقيقة 68، لكن الضغط المدريدي كان يزداد كأمواج البحر المتلاطمة.
وعندما ظن الجميع أن الكأس في طريقها إلى مدينة سان سيباستيان، ظهر البديل الناجح تياجو ألمادا، الذي دخل في الدقيقة 70 ليغير مجرى اللقاء. وفي الدقيقة 84، وبصناعة متقنة من ألمادا، انقض "العنكبوت" الأرجنتيني جوليان ألفاريز على الكرة ليسكنها الشباك، مفجراً بركاناً من الفرح في دكة بدلاء أتلتيكو مدريد. تعادلٌ أعاد المباراة للحياة في أنفاسها الأخيرة، ليجبر الفريقين على الذهاب للأشواط الإضافية.
الأشواط الإضافية.. صمود حتى الرمق الأخير
في الأشواط الإضافية، نال التعب من أجساد اللاعبين، لكن العزيمة ظلت حاضرة. استنفد المدربان كل أوراقهما؛ دخل كليمنت لينجليت لترميم دفاع الأتليتي، بينما دفع سوسيداد بـ تاكيفوسا كوبو وأريتز إيلوستوندو. ورغم المحاولات المستمرة من أتلتيكو الذي سدد 14 تسديدة طوال المباراة مقابل 9 لسوسيداد، إلا أن الدفاع الباسكي استبسل بشكل بطولي. وشهدت الدقائق الأخيرة خشونة واضحة أسفرت عن بطاقات صفراء لكل من جون جوروتكساتيجي وإيلوستوندو، قبل أن يطلق الحكم صافرته معلناً اللجوء لـ "ركلات الحظ" الترجيحية.
ركلات الترجيح.. سوسيداد يعانق المجد
في لحظات تحبس الأنفاس، وقف الحارسان وجهاً لوجه أمام التاريخ. كانت ركلات الترجيح هي الفيصل في هذه الملحمة. وبتركيز عالٍ وهدوء أعصاب، نجح لاعبو ريال سوسيداد في تسجيل 4 ركلات مقابل 3 فقط لـ أتلتيكو مدريد. سادت لحظة من الصمت المطبق في جانب، وانفجار من الفرح الهستيري في الجانب الآخر، حيث ركض لاعبو سوسيداد نحو جماهيرهم للاحتفال بلقب تاريخي جاء بعد عناء ومشقة.
الخاتمة: ليلة لن تنساها "سان سيباستيان"
بهذا الفوز الدرامي، أثبت ريال سوسيداد أن كرة القدم لا تعترف فقط بالاستحواذ أو عدد النجوم، بل بالروح والقدرة على استغلال الفرص. ورغم تفوق أتلتيكو في إحصائيات التمرير (546 تمريرة مقابل 296) والسيطرة الميدانية، إلا أن واقعية ماتارازو كانت هي الكلمة العليا. عاد ريال سوسيداد بلقب كأس ملك إسبانيا إلى دياره، تاركاً خلفه خيبة أمل كبيرة لسيميوني ورجاله الذين كانوا قاب قوسين أو أدنى من اللقب، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة ملعب "لا كارتوخا" كواحدة من أجمل نهائيات الكأس في العصر الحديث.


