ملحمة كروية في قلب الجزائر: نجم بن عكنون يروض طموح الرويسات في ليلة خماسية الأهداف
لم تكن مجرد مباراة عادية في جدول الدوري الجزائري، بل كانت فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي في الرابطة المحترفة الأولى. في أمسية الثامن عشر من مارس لعام 2026، احتضنت مدرجات الملعب صراعاً احتدمت فيه الأنفاس وتصادمت فيه الطموحات، حيث استقبل نجم بن عكنون ضيفه الثقيل مستقبل بلدية الرويسات، في مواجهة كانت تعد بالكثير، وأوفت بكل وعودها حتى الرمق الأخير.
دخل الفريقان أرضية الميدان والأهداف متباينة، لكن الرغبة في الانتصار كانت لغة مشتركة. نجم بن عكنون، الذي يحتل المركز السادس برصيد 34 نقطة، كان يسعى لتأكيد تفوقه على أرضه وبين جماهيره، بينما دخل "أبناء الرويسات" المباراة وهم في المركز العاشر برصيد 27 نقطة، محاولين كسر عقدة النتائج الخارجية الهزيلة التي طاردتهم طوال الموسم، حيث لم يتذوقوا طعم الفوز خارج ديارهم سوى في مناسبة واحدة من أصل اثنتي عشرة مباراة سبقت هذه المواجهة.
بداية عاصفة وصراع الهوية الكروية
مع إطلاق الحكم صافرة البداية، لم يمهل أصحاب الأرض ضيوفهم وقتاً لترتيب الأوراق. بدأت المباراة بإيقاع سريع للغاية، حيث اعتمد نجم بن عكنون على الضغط العالي في مناطق الخصم، مستغلاً الحالة المعنوية الجيدة بعد فوزهم في الجولة الماضية. الأجواء في الملعب كانت مشحونة بالحماس، وهتافات الجماهير لم تتوقف، مما أعطى لاعبي "النجم" دفعة هائلة للسيطرة على وسط الميدان.
في المقابل، لم يكن مستقبل بلدية الرويسات لقمة صائغة؛ فقد أظهروا تنظيماً دفاعياً محكماً في الدقائق الأولى، وحاولوا الاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة التي لطالما كانت سلاحهم الفتاك. ورغم أن الإحصائيات كانت تشير إلى ضعف مردودهم الهجومي خارج ملعبهم، إلا أنهم في هذه الليلة أظهروا وجهاً مغايراً، وكأنهم عازمون على قلب الطاولة على التوقعات والعودة بنتيجة إيجابية تعيدهم إلى سكة الانتصارات بعد سلسلة من التعثرات في الجولات الخمس الأخيرة.
سيناريو الأهداف: تقلبات درامية تحبس الأنفاس
توالت أحداث الشوطين لتنسج قصة مثيرة، حيث شهدت المباراة تسجيل خمسة أهداف كاملة، وزعت بين الفريقين بأسلوب درامي. افتتح نجم بن عكنون التسجيل ليشعل المدرجات، مستفيداً من نجاعته الهجومية التي جعلته يسجل 28 هدفاً طوال الموسم. لكن الرد لم يتأخر كثيراً، إذ استطاع لاعبو الرويسات استغلال هفوة دفاعية ليعيدوا المباراة إلى نقطة الصفر، وسط دهشة الجهاز الفني لأصحاب الأرض.
المباراة تحولت إلى معركة تكتيكية كبرى، حيث كان كل مدرب يحاول قراءة أفكار الآخر. ومع استمرار الضغط، استطاع نجم بن عكنون التقدم مرة أخرى، مستغلاً التفوق البدني للاعبيه في الكرات العالية. غير أن مستقبل بلدية الرويسات، بروح قتالية عالية، رفض الاستسلام وعاد ليسجل هدف التعادل الثاني، لتصبح النتيجة 2-2 وتشتعل المباراة في دقائقها الحاسمة. كانت المشاعر فوق العشب الأخضر مزيجاً من التوتر والإصرار؛ فكل لاعب يدرك أن غلطة واحدة قد تعني ضياع النقاط الثلاث.
اللحظة الحاسمة ورصاصة الرحمة
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، والجميع يظن أن التعادل سيكون سيد الموقف، استجمع نجم بن عكنون قواه في هجمة منظمة بدأت من الرواق الأيمن. وبفضل التمريرات القصيرة والدقيقة، استطاعوا اختراق الحصون الدفاعية للرويسات، ليسكنوا الكرة في الشباك معلنين عن الهدف الثالث والانتصار الغالي بنتيجة 3-2. صرخة الفرح التي أطلقها مسجل الهدف كانت تلخص حجم الضغوط التي واجهها الفريق طوال التسعين دقيقة.
هذا الهدف لم يكن مجرد إضافة لرصيد الأهداف، بل كان بمثابة تأكيد على شخصية الفريق القوية على أرضه. فبالرغم من استقبالهم لـ 25 هدفاً هذا الموسم، إلا أن قدرتهم على العودة في النتيجة وحسم المباريات الصعبة أثبتت أن المركز السادس لم يأتِ من فراغ. وفي الجهة الأخرى، غادر لاعبو الرويسات الملعب برؤوس مرفوعة رغم الخسارة، فقد قدموا واحدة من أفضل مبارياتهم خارج القواعد، لكن الحظ لم يسعفهم في الحفاظ على نقطة التعادل على أقل تقدير.
تحليل تكتيكي: كيف حسم "النجم" المعركة؟
بالنظر إلى أرقام المباراة، نجد أن نجم بن عكنون استغل بذكاء عامل الأرض؛ فالفريق حقق الآن 6 انتصارات من أصل 12 مواجهة على ملعبه، مما يجعله أحد أصعب الخصوم عندما يلعب أمام جمهوره. التبديلات التي أجراها المدرب في الشوط الثاني كان لها دور محوري في تنشيط الجانب الهجومي وضخ دماء جديدة استطاعت مجاراة السرعة الكبيرة التي فرضها لاعبو الرويسات في المرتدات.
أما مستقبل بلدية الرويسات، فقد عانى من تكرار سيناريو الانهيار في الدقائق الأخيرة، وهو الأمر الذي يفسر تلقيهم 28 هدفاً حتى الآن في الدوري. ورغم أنهم سجلوا هدفين في مباراة واحدة خارج أرضهم، وهو رقم يتجاوز معدلهم التهديفي المعتاد في الرحلات الخارجية، إلا أن الهشاشة الدفاعية في اللحظات الحرجة كلفتهم خسارة ثامنة بعيداً عن ديارهم، ليتجمد رصيدهم عند 27 نقطة في المركز العاشر.
الخاتمة: تطلعات المستقبل وصراع البقاء
بهذا الفوز الثمين، يرفع نجم بن عكنون رصيده إلى 37 نقطة، ليواصل زحفه نحو المربع الذهبي، مؤكداً أنه رقم صعب في معادلة الدوري الجزائري لهذا الموسم. هذه النتيجة ستعطي الفريق دفعة معنوية هائلة قبل المواجهات القادمة، خاصة وأنهم أثبتوا قدرتهم على التعامل مع الضغوط وتسجيل الأهداف في الأوقات القاتلة.
أما مستقبل بلدية الرويسات، فعليهم مراجعة أوراقهم سريعاً، خاصة في الجوانب الدفاعية والتركيز الذهني في نهاية المباريات. المركز العاشر لا يزال يضعهم في منطقة دافئة نسبياً، لكن الاستمرار في نزيف النقاط خارج الملعب قد يدخلهم في حسابات معقدة مع اقتراب نهاية الموسم. لقد كانت ليلة كروية بامتياز، تذكرنا دائماً لماذا نعشق هذه اللعبة؛ حيث لا تنتهي الحكاية إلا مع صافرة الحكم، وحيث تظل الروح القتالية هي المفتاح الوحيد لدخول قلوب الجماهير.


